الرئيسية

الحزب ونتانياهو: تبادل الخدمات.. هدايا “الشرعية”

ما يجري بين حزب الله وإسرائيل يمكن قراءته من زاوية ما يُعرف في علم النفس السياسي بـ”فخّ التبادل الشرعي”. وهو نمط صراعي لا يعود فيه وجود الخصم تهديدًا فقط، بل يتحوّل إلى شرط من شروط شرعية بقائه… الحزب وبنيامين نتانياهو يتبادلان الخدمات. يشرّعان سياسات بعضهما البعض.

 

في هذا النوع من الصراعات، لا يعيش الطرفان على نفي بعضهما، بل على إعادة إنتاج بعضهما. يصبح العدو ضرورة سياسية. ليس لأنّ وجوده مرغوب، بل لأنّ بقاءه يبرّر استمرار السردية التي نشأت لمواجهته.

إسرائيل، عبر احتلالها أراضٍ لبنانية، وتجريفها القرى، وتفجيرها المنازل، تمنح حزب الله المادة الخام لإعادة ترميم شرعيته السياسية وشرعية خطابه وسرديته التي انهارت على مراحل منذ العام 2000. سردية الخطر وتحرير الأرض، ومبرّر استمرار وجود السلاح خارج إطار الدولة. وكل فيديو تفجير للمباني، يمنح الحزب وقتًا إضافيًا لتأجيل السؤال الأخطر داخل بيئته: ماذا بعد الحرب؟ ماذا بعد السلاح؟ وماذا بعد الجنوب المدمر؟

ماذا يعطي الحزب نتانياهو؟

في المقابل، يمنح حزب الله رئيس وزراء إسرائيل بنيامين نتانياهو ما يحتاجه تمامًا: ذريعة البقاء. فكل صاروخ يُطلقه الحزب، وكل مسيّرة يرسلها، هي هدية سياسية لتل أبيب وليست تهديداً أمنياً فقط.

نتنياهو في هذا التوقيت لا يحتاج إلى نصر حاسم بقدر ما يحتاج إلى حرب قابلة للاستمرار. حرب لا تنتهي خلال أسابيع أو أشهر… لنتذكر هنا أنّ نتانياهو قطع كلّ جلسات محاكمته بتهم الفساد في الأشهر الأخيرة، بحجّة “حدث أمني في جنوب لبنان”.

نهاية الحرب بالنسبة لنتانياهو تعني العودة إلى الداخل، أي إلى المحاكم، إلى تظاهرات الشارع، إلى الانقسام السياسي.

اسرائيل، عبر احتلالها أراضٍ لبنانية، وتجريفها القرى، وتفجيرها المنازل، تمنح الحزب المادة الخام لإعادة ترميم شرعيته السياسية وشرعية خطابه وسرديته

تبادل الشرعية.. وليس العداوة

ما يحصل اليوم يمكن تلخيصه بأنّ الطرفان يتبادلان الشرعية عبر النار. كل طرف يحتاج إلى عدوان الآخر كي يبرّر استمراره أمام جمهوره. إسرائيل تحتاج إلى صواريخ الحزب لتبرير الاحتلال. والحزب يحتاج إلى الاحتلال لتبرير السلاح.

بين الطرفين الأقوى: إسرائيل وحزب الله، يقف الطرف الثالث: الدولة اللبنانية. هي الحلقة الأضعف، والأكثر تآكلاً، والأقلّ قدرة على الفعل. لا تملك قرار الحرب، ولا تملك حرية الذهاب إلى السلم، لكنّها تتحمّل كلفة الخيارين. تجد نفسها عالقة بين مطرقة إسرائيل التي تستخدم الجنوب كمساحة ضغط أمني مفتوح، ومطرقة حزب الله الذي يستخدم الجنوب نفسه كمساحة شرعية مفتوحة.

الدولة اللبنانية اليوم رهينة. لا تستطيع أن تنزع من إسرائيل ذريعة الأمن، ولا أن تنزع من الحزب ذريعة المقاومة. مطلوب منها السيادة، فيما السيادة  مصادرة. ومطالبة باعادة الجنوب وإعادة الإعمار. وقرار الدمار ليس بيدها. وفي الوقت نفسه يُطلب منها احتواء الانهيار، فيما هي نفسها إحدى ضحاياه.

كيف تنتهي الحرب؟

أخطر ما في هذا المشهد ليس الحرب بحدّ ذاتها، بل البنية السياسية التي جعلت استمرارها منفعة متبادلة. فحين تتحوّل الحرب إلى مصدر شرعية، وربحية سياسية للطرفين، يصبح إنهاؤها تهديداً مباشراً لكلّ من بنى استمرار سلطته على بقائها.

وفيما تتبادل إسرائيل والحزب الشرعية بالنار، يبقى المواطن اللبناني، والسلطة اللبنانية، خارج المعادلة. يدفع ابن جنوب لبنان من أرضه وبيته ودمه كلفة لعبة لا يملك قرارها.

والشعب والدولة يدفعان الثمن الأغلى. شعب يُستنزف باسم المعادلات، ودولة تُستنزف باسم العجز، فيما الحرب لم تعد فقط مأساة وطن… بل صارت نظامًا سياسيًا قائما بحدّ ذاته. وتهديده يستنفر، في الداخلين، اللبناني والإسرائيلي، كلّ ما أنتجه الشرق الأوسط من أساليب لـ”حماية النظام”.

 

إقرأ أيضاً: مصارف تضارب على سعر الليرة… هل يبدأ الهبوط؟

زر الذهاب إلى الأعلى