برّي وحديثه عن “الهرطقة”: هل صدر قرار تأجيل الإنتخابات؟

لم يكن توصيف رئيس مجلس النواب نبيه بري لرأي هيئة التّشريع والإستشارات بأنّه «هرطقة قانونيّة» زلّة لسان، بل موقفاً سياسياًّ محسوباً بدقّة… بهدف تأجيل الانتخابات النيابيّة.
خاصّ – “الدّولة”
جوهر الخلاف لا يتعلّق بتفصيل إجرائي، بل بمسألة شديدة الحساسيّة: كيف سيصوّت اللبنانيّون في الاغتراب في الانتخابات النّيابيّة المقبلة؟ وهل يقترعون لكل أعضاء المجلس النّيابي، أم لستة نوّاب فقط ضمن ما يُعرف بـ«الدّائرة 16»؟
هيئة التّشريع والإستشارات في وزارة العدل أصدرت رأياً واضحاً: المغتربون يجب أن يقترعوا لانتخاب “128 نائباً”، أي للمجلس النّيابي كاملاً كما جرى في انتخابات 2018 و2022، لا لستة نوّاب مخصّصين لهم. هذا الرأي أعاد إحياء مادة قانونية مجمّدة منذ إقرار قانون الإنتخابات عام 2017، كانت تنصّ على تخصيص ستّة مقاعد للمغتربين موزّعين على القارات، لكن لم تُطبّق فعلياً في الدّورتين السّابقتين… وهنا بدأ الاشتباك.
لم يكن توصيف رئيس مجلس النواب نبيه بري لرأي هيئة التّشريع والإستشارات بأنّه «هرطقة قانونيّة» زلّة لسان، بل موقفاً سياسياًّ محسوباً بدقّة… بهدف تأجيل الانتخابات النيابيّة
بري يمنع فتح مجلس النّواب
قانون الانتخاب أقرّ إنشاء دائرة انتخابيّة إضافيّة للمغتربين، تُعرف بالدّائرة 16، ينتخب فيها اللبنانيّون غير المقيمين ستّة نواب يمثلون القارات. لكن لم يحدّد أي مذاهب للنواب ولا أيّ قارّة. وهذه إشكاليّة قانونيّة اعتبرت حكومة الرّئيس نوّاف سلام أنّ تفسيرها يحتاج إلى فتح جلسة نيابيّة، الأمر الّذي يرفضه الرّئيس نبيه برّي.
لكن عند أوّل تطبيق للانتخابات عام 2018، تقرّر عملياً تعليق هذه الآلية والسّماح للمغتربين بالاقتراع في دوائرهم الأصليّة داخل لبنان، أي اختيار نوّاب المناطق الـ128.
هذا التّرتيب استمر في انتخابات 2022، ما خلق عرفاً انتخابيّاً جديداً: المغتربون جزء من الكتلة النّاخبة الوطنيّة، لا هيئة منفصلة.
رأي هيئة التّشريع والإستشارات أعاد تثبيت هذا العرف قانونياً، واعتبر أن العودة إلى انتخاب ستّة نوّاب فقط تتطلّب تعديلاً تشريعيّاً صريحاً من مجلس النّوّاب، لا مجرّد قرار إداري.
لماذا يعارض برّي وحلفاؤه؟
بالنّسبة إلى برّي وحلفائه، وأبرزهم طبعاً حزب الله، فإنّ النّص الأصلي للقانون واضح: الدّائرة 16 قائمة ويجب تطبيقها. أي أنّ المغتربين ينتخبون ستة نواب فقط، لا المجلس بأكمله.
الخلاف هنا ليس تقنيّاً، بل سياسيّاً بامتياز. فتصويت المغتربين في الانتخابات الأخيرة أظهر ميلاً واضحاً نحو القوى السّياديّة والمعارضة. عمليّاً، أصوات الخارج باتت قادرة على ترجيح نتائج عدد من الدّوائر الحسّاسة داخل لبنان.
وبالتّالي، فإن حصر اقتراعهم بستّة مقاعد يقلّص تأثيرهم إلى الحد الأدنى، بينما إبقاؤهم ضمن النّاخبين لجميع الدوائر يجعلهم عاملاً حاسماً في نتائج الانتخابات.
لماذا كلمة «هرطقة»؟
وصف الرّأي القانوني بالهرطقة يعني أكثر من رفضه. إنّه نزع شرعيّته قبل الدّخول في نقاشه. فلو اعتُبر الرأي مرجعاً قانونياً ملزماً، يصبح إجراء الإنتخابات وفق اقتراع المغتربين لـ128 نائباً أمراً شبه محسوم. أمّا إسقاطه، فيعيد الملف إلى ساحة التّفسير السّياسي داخل المجلس النّيابي.
أي أنّ المسألة ليست في النّص، بل في المرجعيّة: من يملك تفسير القانون الانتخابي؟ وزارة العدل أم المجلس النّيابي؟
وبما أنّ المجلس هو الجهة الّتي تضع المهل وتقرّ التّعديلات، فإنّ تحويل الخلاف إلى نزاع قانوني يفتح الباب عملياً لتعديل المهل، أي لتأجيل الانتخابات.
كيف يتحوّل الخلاف إلى تأجيل؟
السّيناريو معروف في التّجربة اللّبنانيّة. عندما يصبح الإطار القانوني للإنتخابات محلّ نزاع، تظهر معضلة تطبيقيّة: وزارة الدّاخليّة لا تستطيع التّحضير اللّوجستي من دون وضوح قانوني، ولا يمكن إطلاق العمليّة الإنتخابيّة فيما الطّعن قائم حول هويّة النّاخبين.
هنا يصبح التّأجيل نتيجة «تقنيّة» لا قراراً سياسياً.
فعدم الاتفاق على آليّة اقتراع المغتربين يعني عملياً استحالة تنظيم الانتخابات ضمن المهل.
بمعنى آخر، الجدل حول الدّائرة 16 ليس الهدف، بل الأداة.
الخلاف حول رأي هيئة التّشريع والإستشارات ليس نزاعاً فقهياً حول تفسير مادة قانونيّة، بل مواجهة حول شكل الانتخابات نفسها
لماذا الآن؟
الانتخابات المقبلة تأتي في ظل تغيّرات داخليّة كبيرة: تراجع الأحزاب التّقليديّة، انقسامات داخل الطوائف، وارتفاع نسبة الاقتراع المعارض في الخارج. لذلك تبدو نتائج الانتخابات أقل قابليّة للتّوقع من أي دورة سابقة.
في مثل هذه الظروف، يصبح التّحكّم بوزن النّاخبين في الخارج مسألة توازن سياسي لا مجرّد نصٍّ قانوني. فإذا صوّت المغتربون لـ128 نائباً، قد يؤثرون في عشرات الحواصل الانتخابيّة. أما إذا صوّتوا لستة نواب فقط، يصبح تأثيرهم محصوراً ومحدوداً.
برّي يريد التّأجيل
الخلاف حول رأي هيئة التّشريع والإستشارات ليس نزاعاً فقهياً حول تفسير مادة قانونيّة، بل مواجهة حول شكل الانتخابات نفسها. فإمّا انتخابات يشارك فيها المغتربون في اختيار كامل المجلس النّيابي، وإمّا انتخابات يُحصر تأثيرهم فيها بستّة مقاعد.
من هنا يمكن فهم حدّة التّعبير. فعبارة «الهرطقة القانونيّة» ليست ردّاً على رأي، بل خطوة أولى في مسار سياسي: إسقاط المرجعيّة القانونيّة الّتي تفرض إجراء الإنتخابات وفق آلية لا تناسب ميزان القوى الحالي.
في لبنان، نادراً ما يُعلن تأجيل الانتخابات مباشرة. غالباً يبدأ بخلاف قانوني، يتبعه عجز إداري، ثم يتحوّل إلى أمر واقع.
والسّؤال اليوم ليس ماذا يعني رأي الهيئة… بل إلى أين يقود؟
إقرأ أيضاً: شيعةٌ قبل خامنئي وبعده..



