شيعة “جيّدون”: موتى ومُهجَّرُون؟

لو قلنا أنّ الزّمن الحالي يمثّل أعمق حضيض وصل له نشطاء الثّنائي الشّيعي وأبواقه، سواء الرسميون منهم أو المتأثّرون المُردّدون خلف غيرهم كرجع صدى، فإنّنا لن نبالغ أبداً.
يَقودُ إلى هذا الإسنتاج الملموس حقيقة إفلاس تلك الأبواق وعدم قدرتها على المحاججة والجدل فيما يتعلّق بـ “الموضوع” أي بالخيارات السّياسيّة بمكاسبها أو كوارثها، وركونهم كورقة أخيرة إلى استهداف المعارضة الشّيعيّة.
يُتكتِكون.. شيعةٌ حقيقيّون!
يتجلى هذا الاستهداف بتكتيكين أو طريقتين: الأولى هي الهجوم الشّخصي أكان عشوائياً أم مبرمجاً (يستخدم أحياناً لغة عائلية أو صداقاتيّة أو وطنيّة تجمع التّلقين النّاعم بالتّسفيه). والطّريقة الثّانية هي السّعي لإقصاء المعارضين عبر اختراع فئة إسمها “الشّيعة الحقيقيون” بحيث يتم عزل من لا يطابق أهواء الثّنائي ومعاييره.
وبتدقيق بعض المواصفات المفترضة لهذه الفئة نجد أن أبرز ما يركز عليه البوق في تسويقه لهذا الوهم هو فكرة مبتذلة تثير الشّفقة على مطلقيها مفادها أنّ المشكلة في معارضي الحزب ممن يتظلّلون بظلّ دولتهم هي في “مظهرهم الثّقافي”!. وبتحليل بسيط لهذا الانتقاد فإن المقصود بالثّقافي غالباً إما أن يدور حول الزّي أو اللّباس التّراثي “غير الجنوبي” مئة بالمئة، أو أن يتمحور حول اللهجة!.
بكل الأحوال فالانتقاد لا يحتاج للتدليل على إفلاسه. فبينما يعيش لبنان عموماً والجنوب خصوصاً على صفيح ساخن بتأثير من الحسابات السياسية والجولات المكوكية للمبعوثين والضغوط من أطراف مختلفة وطبول الحرب الإسرائيلية، ينسحب نشطاء الثنائي إلى حضيض كهذا يمثل آخر نقطة في قعر الإفلاس الانتقادي.
ومن الانتقادات التي يسوقها هؤلاء أيضاً إشارتهم إلى أن معارضي الحزب ليسوا من الشيعة الحقيقيين الذين “يواجهون بصدورهم الاحتلال”!.
الشّيعي الحقيقي.. شهيد أو جريح؟
هنا لا يمكن تفنيد هذه الفكرة الجنونيّة بطريقة طبيعيّة، بل ينبغي طرح سؤال أوّلي على الأبواق مفاده:” هل الشّيعي الحقيقي يجب أن يكون ميتاً أو معطوباً بالضرورة؟ هل يجب على إبن الجنوب أن ينسى حقّه في الحياة والأمان كرمى لعيون حفنة من المستفيدين سواء في لبنان أو في إيران؟ هل الكرامة والبطولة تتعارضان مع العقلانيّة وسعي الإنسان لضمان سلامته وسلامة أهله وعائلته؟”.
يمكن طرح المزيد والمزيد من الأسئلة التي لا تنتظر إجابات على طروحات كهذه، بقدرما تسعى لتفريغ شحنات غضبٍ واستنكارٍ في مواجهة بروباغندا دعائيّة رخيصة.
فرزٌ كاريكاتوري!
لكن وبعيداً عن رثاثة وابتذال مقوّمات تلك الفئة المخترعة المسماة “الشّيعة الحقيقيّين” فإن التساؤل الأبرز في هذا السياق يقود لمقارنة بسيطة. فلو نظرنا إلى باقي اللّبنانيين في مجتمعاتهم وأحزابهم لا بدّ أن نسأل مباشرةً هذا السؤال:” مع أنّ لكل بيئة تاريخها ورموزها وقضاياها، لماذا لم يخرج أحد من تلك البيئات ليطالب بتحديد الدّرزي أو السّني أو المسيحي الحقيقيّ، بناء على معايير يضعها حزب القوّات اللّبنانيّة أو الحزب التّقدمي الإشتراكي، أو غيرهما من الأحزاب؟ يستطيع هؤلاء لو أرادوا اختراع فرضيّة من هذا النّوع، لكنّهم وبالرّغم من خصوصيّاتهم الطّائفيّة والمناطقيّة والسّياسيّة فإنّهم ينتمون إلى لبنان واحد، وبالتّالي لا يحتاجون إلى طرح إقصائي يفرز أبناء مجتمعاتهم بهذا الشّكل الكاريكاتوري، إلا إذا ظهرَ لديهم فئات مرتبطة بمشاريع إقليميّة غير لبنانيّة وتريد الحفاظ على استمرار سيطرتها ضمن بيئتها على حساب البقيّة!. وإن حصل وتمّ تداول فكرة من هذا النّوع (شيعة، سنّة، مسيحيّون..حقيقيّون) فمنَ المنطقي أن تبقى المسألة بحدود كلامٍ فولكلوريٍ بسيط لا يحمل ملامح إيدلولوجيّة جديّة تحاول عزل من يختلف مع روايتها، أو إضعاف تأثيره الإيجابي في توعية الناس!.
خلطات أوهامٍ إلهيّة
قد تتنوّع خلطات الوهم الفكري والدّعائي الّتي يقدمها نشطاء الميليشيا في لبنان، وغالباً لن تقف عند حد في المستقبل القريب دفاعاً عن مصالح ضيّقة. الأخطر أنها ستبقى تتقاطع مع مقولات سياسيّين وإعلاميّين وسواهم عند نقطة واحدة هي: السّعي لإبقاء الشّيعي في مرتبةٍ أعلى من باقي اللّبنانيّين”. وهذا يعني عملياً تضخيم الأوهام لديه عن حملِهِ لقيم ومشاريع لا دنيويّة تجعله يتوهّم امتلاكه موقعاً متمايزاً عن الآخرين، وبالتّوازي إقناعه بثانويّة العناصر والحاجات الأساسيّة الّتي تجعل منه مواطناً، كالحق في الحياة والعيش بسلام والاستثمار والرّخاء.
سلّم عقلك..أنت حطب
وبالتالي فالمطلوب لكي يكون الشّيعي اللّبناني “حقيقاً” أو “جيداً” بعيون أدوات محور إيران هو تسليمه لعقله وجميع حقوقه لهم، وتحوّله إلى مجرد حطب ووقود في حروبهم العبثيّة. وحين نقول لدى المحور ككلّ، فليس أدلّ على ذلك كمثال ممّا قاله قبل فترةٍ شيخ عراقي معمّم واعظاً مجموعة من النّاس، إذ استخدمَ النّموذج اللّبناني حطباً رخيصاً لإقناع مستمعيه، وقال:” منو قلّكم الشّيعة يردون خدمات ويردون رواتب ويردون وظايف؟. بالعكس الشّيعة في لبنان “حزب الله” دخّلهم بمعركة..استشهدت ولدهم..تدمرت بيوتهم ..الجنوب كله مدمر..والشّيعة بعدها مجلللبة بحزب الله. تقدر تصنع هيج شعب؟. مو يكللك جيب لي خدمات..يكللك خوض بيي حروب..يكلك خوض بيي جهاد..يكلك خوض بيي دمار..أنا مستعد إني أتبعك”.
بالنّتيجة، يبدو أن ما قاله هذا الشّيخ العراقي وقبله سياسيّون ونشطاء الثّنائي اللّبنانيون يمثل الشّيء الأبرز الذي يوحّد ساحات ما يسمّى “محور المقاومة”. وهذا الشّيء هو ترخيص قيمة الإنسان الشّيعي وتجريده من حقوقه بمختلف الطّرق وأشكال التّلاعب، والسّعي لتثبيت موقعه كضحيّة سهلة الاستغلال.




