الدين والسلطة: السياسة تحرق الإيمان

في بلادٍ ترفع شعار الإيمان صباحاً وتنهب باسم الله مساءً، يتبدّى كيف تحوّل الدين من مرجعية أخلاقية إلى أداة تعبئة وصراع سياسي بلا ضوابط.
ندفع كلّ يوم ثمن الخلط بين المقدّس والسياسة، بين ما هو لله وما هو للناس. فحين تُستعار لغة الدين لتبرير سياسات الأرض، تُطفأ أنوار العقل، وتُستبدل الحكمة بالهتاف، ويصبح كلّ سؤالٍ في وجه السائد جريمة تمسّ السماء.
لقد تحوّل الإيمان، في التجربة العربية واللبنانية خصوصاً، من طاقةٍ روحية إلى وسيلة ضبطٍ اجتماعي وتبريرٍ للسلطة. الأحزاب التي تتزيّا بثوب الدين أو “المقاومة” جعلت من العقيدة مظلّةً لهيمنتها، ومن الطائفة وقوداً لمعاركها. هكذا صار الخطاب الديني السياسي أداةً لتقسيم المجتمع، يُقدّس الزعيم، ويُشيطن المختلف، ويحوّل الكراهية إلى واجبٍ مقدّس.
ليست المشكلة في الدين نفسه، ولا في الإيمان الصادق الذي يُلهم الضمير الإنساني، بل في تسييسه. حين تصبح الآية شعاراً انتخابياً، والفتوى بياناً سياسياً، يفقد الدين نقاءه، وتفقد السياسة أخلاقها. نعيش اليوم في مجتمعات متديّنة ظاهرياً، لكنها ممزّقة أخلاقياً، تُصلّي وتكذب، تُزكّي وتنهب، ترفع القيم وتدوسها عند أول صفقة.
الضمير الديني الذي يُفترض أن يكون حارس الحقيقة صار تابعاً للزعيم. والسؤال الذي يُفترض أن يُنير الطريق، يُقمع باسم “الإجماع” أو “الولاء”.
إنّ الخلاص لا يكون بإلغاء الدين من الحياة، بل بإعادته إلى مكانه الطبيعي: ضمير الأفراد لا سلاح الجماعات. فحين يستعيد الإيمان صفاءه الأخلاقي، يمكن للعقل أن ينهض، وللسياسة أن تستقيم، وللوطن أن يجد طريقه خارج سرديّات التقديس والتخوين.




