لبنان يفاوض..على ثمن الهزيمة

لبنان ليس خارجًا في نزهة، ولا في استراحة من الحرب.. الإسرائيلي دائمًا ما يعود الى قواعده العسكريّة ليطلق الرّصاصة الأخيرة على أعدائه وخصومه.
لبنان ليس خارجًا في نزهة، ولا في استراحة من الحرب، ولا طبعا الى مفاوضات سلام وتطبيع مع العدو الإسرائيلي. هو ذاهب الى تجربة سياسيّة وعسكريّة صعبة جدًا، لضمان أمنه وحقوقه الوطنيّة، وهي تجربة ليست مضمونة النّجاح أبدًا ، بدليل التّجارب المشابهة الّتي لا يزال يخضع لها الأشقاء الفلسطينيّون والسوريّون، ولم تكن محصّلتها مجدية حتى الآن، وأبعدت الأشقاء العرب جميعًا عن السّلم المنشود، سواء كان إبراهيميًا او حتى داووديًا .
مذكّرة جلبٍ أميركيّة!
بدلًا من الزّعم الكاذب أنّ لبنان يخوض هذه التّجربة بإرادته الحرّة، وقراره الخاص، يبدو أنّ الادق والأسلم هو التّعاطي مع قرار رفع مستوى الوفدين اللّبناني والإسرائيلي داخل اللّجنة الخماسيّة الدوليّة بإعتباره تنفيذًا لمذكرة جلب أميركيّة وجّهت الى الجانبين معًا، تهدف الى اختبار آفاق التّفاوض السّياسي بينهما بالتّوازي مع الحاجة الى المضي قدمًا في تطبيق البنود العسكريّة من اتفاق وقف النّار، المتعثّر منذ توقيعه العام الماضي، نتيجة الاعتداءات والتّهديدات الإسرائيليّة اليوميّة.
سفارة إسرائيليّة في برج ترامب وسط بيروت؟
وهي مذكرة صيغت قبل أشهر من قبل المبعوثين الاميركيّين، وأرسلت الى بيروت وتل أبيب، في وقت واحد، ولو بدرجات متفاوتة من الإلحاح، وجوبهت بالحذر اللّبناني المنطقي، ثم بالتّسليم بأنّها خيار الضّرورة الّذي لا بديل منه، لكنّها قوبلت بالرّفض الإسرائيلي ثم التّجاوب مع المشيئة الأميركيّة والحاجة الى مجاملة الرّئيس الأميركي دونالد ترامب، التّوّاق الى توسيع الاتفاقات الابراهيميّة، والرّاغب ببناء برجٍ تجاريٍ أو سياحيٍ في وسط بيروت، يستضيف في بعض طوابقه السّفارة الإسرائيليّة، وإقامة ملعب غولف في إحدى ضواحيها يكون في خدمة الدّبلوماسيّين من مختلف الجنسيّات. الرّفض الإسرائيلي للمذكرة لم يكن مستندًا فقط الى حقيقة أنّ الحرب مع لبنان لم تنته، ولن تنتهي قريبًا، قبل إزالة حزب الله من الوجود، حسب لائحة الأهداف الإسرائيلية.. بل الى تحوّل جذري قديم في الاستراتيجيّة الإسرائيليّة، عنوانه الرّئيس هو أنّ السّلام، هبة تقدّمها إسرائيل الى جيرانها العرب، وليس صفقة توقّعها معهم وتشمل الأمن أو حتّى التّطبيع والمصالحات والمصافحات، الّتي كانت في ما مضى حلمًا لأي دبلوماسي أو رجل استخبارات إسرائيلي، ومثار حرج او خجل لأي مسؤول عربي. وعلى هذا الأساس رفضت إسرائيل في العامين الماضيين مثلا الكثير من العروض العربيّة للتّطبيع ، لقاء وقف الحرب على غزة فقط.
لبنان كلّه مستعدّ لدفع ثمن هزيمة “الحزب”!
ولم يكن التّجاوب اللّبناني مع مذكرة الجلب الأميركيّة، خارج هذا السياق. سبقتها عملية استكشاف للرأي العام كانت نتائجها فاضحة، حتى لـ”حزب الله”، الّذي كان يتوقّع أن يستخدم مقاومته “المدنيّة والسّلميّة” المدمّرة أيضًا، لكي يسجل موقفًا مبدئيًّا للتّاريخ ثم يصمت.
الحماسة اللّبنانيّة لـ”التّفاوض” تركت الانطباع بأنّ لبنان كلّه مستعدٌّ لدفع ثمن هزيمة حزب الله السّاحقة، بلا مقابل. بينما كان ولا يزال المرجو أن تحيد الدّولة اللّبنانية عن الهزيمة وعن أكلافها، حتى على الطّائفة الشّيعية نفسها. في المقابل، كان التّجاوب الإسرائيلي مع المذكرة، ولا يزال متحفظًا، ومتردّدًا، بدليل الاعتداءات الّتي لم تهدأ بعد اجتماع النّاقورة الأخير، وبدليل مستوى التّمثيل الإسرائيلي في ذلك الاجتماع، والذي كان أقل رتبة وشأنًا من رئيس الوفد اللبناني السّفير سيمون كرم.
الرّؤوس الحامية..وفشل المفاوضات الحتمي!
لعل في قراءة الاعلام الإسرائيلي وحده ما يكفي لتهدئة الرّؤوس اللّبنانيّة الحامية الّتي بسطت السّجّادة الحمراء أمام بنيامين نتنياهو، وشرعت في التّكهن بمقر السّفارة الإسرائيليّة في بيروت وموقع برج ترامب وملعب الغولف.. ولم تتنبه الى أنّ فشل “مفاوضات” النّاقورة، حتمي، مثل المفاوضات التي خاضها العدو الإسرائيلي مكرهًا أو محرجًا، مع الفلسطينيّين والسّوريّين ( والإيرانيّين) وعاد منها الى قواعده العسكريّة ليطلق الرّصاصة الأخيرة على أعدائه وخصومه، وليعبّر عن رفضه تقديم أي “هديّة”، مهما كانت متواضعة، الى شركائه وحلفائه ومريديه، من مختلف الجنسيّات.
*نقلاً عن تويتر




