العراق: أسرارُ إدراج “الحزب” ثمّ رفعه عن اللّائحة

بعد 24 ساعة على الضجّة التي أثارها إدراج حزب الله اللّبناني وجماعة أنصار الله الحوثيّة ضمن لائحة عراقيّة لتجميد أموال “الكيانات الإرهابيّة”، تتضح ملامح واحدة من أكثر القضايا التباسًا في بغداد هذا العام.
فاطمة خليل
ظهر القرار منشورًا بوضوح في الجريدة الرّسميّة إلى جانب 23 كيانًا آخر، ما أعطى الانطباع بأنّ العراق يتّجه نحو خطوَة سياسيّة غير مسبوقة. لكنّ الحكومة سارعَت إلى القول إنّ ما نُشر لم يكن سوى نسخة غير مدقّقة لا تعبّر عن توجّه جديد.
بدأ الإلتباس مع تداول وثيقة صادرة عن لجنة تجميد أموال الإرهابيين، وهي لجنة مرتبطة مباشرة بمتطلبات الامتثال المالي ومعايير مكافحة تمويل الإرهاب المفروضة على العراق من الجهات الرقابيّة الدّوليّة. ومن النّاحية التّقنيّة، فإن إدراج حزب الله والحوثيين في مسوّدة اللائحة بدا منسجمًا مع هذه المتطلبات، خصوصًا أنّ المصارف العالمية تتعامل مع الحزب ككيان عالي المخاطر ماليًا. لكن مجرّد ظهور اسمهما في النّسخة المنشورة أطلق موجة اعتراضٍ سياسيّ داخلي، إذ اعتُبر وجود حزب الله في لائحة عراقيّة رسميّة حتّى لو كانت ذات طابع مصرفي رسالة لا تستطيع بغداد تحمّل تبعاتها في ظل النّفوذ الواسع للفصائل الموالية لطهران داخل المؤسّسات.
“عن طريق الخطأ”؟
وسارعت الحكومة إلى احتواء الموقف. فأصدرت مكاتبها توضيحاتٍ متتاليةٍ تُفيد بأنّ النّسخة الّتي تضمّنت إسم حزب الله والحوثيّين كانت غير نهائيّة، وأن نشرها وقع “عن طريق الخطأ” قبل استكمال التّدقيق. كما أعلن مكتب رئيس الوزراء فتح تحقيقٍ عاجلٍ لمعرفة كيف وصلت المسوّدة إلى الجريدة الرسميّة، بينما تمّ حذف الفقرتين فورًا من السّجلّات المعتمدة. ورغم الطّابع الإداري الّذي حاولت بغداد إبرازَه، فإنّ سرعة التّراجع بدت وكأنّها ردّ سياسي اضطراري لطمس أي إيحاء بأنّ الدّولة تتبنّى توصيفًا قد يضعها في مواجهة مباشرة مع حلفاء طهران.
تناقضات داخل الحكم العراقي
وأظهرت الحادثة التّناقض البنيوي داخل مؤسّسات الدّولة العراقيّة بين خطّ يسعى للالتزام بالمعايير الماليّة الدّوليّة، وخطّ آخر تعتبره القوى المقرّبة من إيران خطًا أحمر. فالقرار كشف حدود قدرة الحكومة على الاقتراب من ملف الميليشيّات العابرة للحدود، إذ إن ورود اسم حزب الله ضمن وثيقة تقنيّة كان كافيًا لفرض تراجع سريع. وفي المحصلة، يبدو أن مجرد إدراج الحزب في سياق مالي أو تقني بات موضوعًا حسّاسًا داخل العراق، وأن النقاش حول موقعه ومخاطره لم يعد حكرًا على الخارج، بل بدأ يتقدّم داخل بغداد نفسها، رغم محاولات إسكاته.



