في قلب باريس… ماكينة الكاش الغامضة لصفوة النّخبة اللبنانية

كتب الصّحافي الإستقصائي، الفرنسي كليمان فايول، مقالًا تطرّق فيه إلى عمليّات ترحيل أموالٍ إلى باريس قام بها بنك عودة فرع فرنسا، شاملًا فيها بعض عملائه المحظيّين من أصحاب الملايين، كاشفًا عن معجزة ماليّة عابرة للطّوائف.
كليمان فايول – 5 كانون الأول/ديسمبر 2025
وقال فايول في مقاله إنّ عددًا لا يُحصى من اللبنانيين يُكافح لاستعادة أمواله المحتجزة لدى مصارف أعلنت إفلاسها. لكنّ قلة منتقاة من الزّبائن ما تزال تستفيد من أموالها بفضل نظام خاص وضعه الفرع الفرنسي لمصرف بنك عوده. من بين هؤلاء مقرّبون من رئيس الوزراء السابق سعد الحريري، ومتموّل نافذ من حزب الله.
في قلب الدّائرة الثّامنة
ويكشف فايول في مقاله عن موقع مقرّ الفرع المذكور على جادّة الشانزليزيه في باريس، في قلب الدّائرة الثامنة وعلى بعد خطوات من قوس النّصر، تُرفع لافتة صغيرة مكتوبٌ عليها “Bank Audi”. ويضيف فايول قائلًا :”لا علاقة للأمر بسيّارات “أودي” الألمانية؛ فالإسم يدوي لدى العارفين كصدى بعيد لانفجار بيروت”.
خدمة موازية للمحظيّين
ويشرح فايول طريقة عمل هذا الفرع، مشيرًا إلى أنّه في هذين الطّابقين، اخترع المصرف اللّبناني الّذي تأسّس عام 1830 حياةً موازية، بعيدة عن الطّّوابير الغاضبة والشبابيك المغلقة الّتي رافقت انهيار النّظام المالي في لبنان. ويضيف، هنا يدخل الزّبائن مطمئنين، ببطاقاتهم المصرفيّة، ليستقبلهم الموظفون بعبارة حُرم منها ملايين اللبنانيين: “أموالكم متاحة”.
ملفّات شديدة الحساسيّة
ويلفت فايول إلى أنّ الأزمة الاقتصاديّة الّتي انفجرت عام 2019، دمّرت حياة آلاف المودعين، العالقين بين تجميد غير رسميّ لأموالهم من قبل المصارف، وانهيار اللّيرة اللبنانية. ويسأل: كيف استطاع فرع بنك عوده في فرنسا الاستمرار بامتلاك السيولة؟ وخصوصًا أنّ عشرات المودعين اللّبنانيين رفعوا دعاوى حجوزات في المحاكم الفرنسية لاستعادة مدّخراتهم؟
ليجيب قائلًا: رزمة وثائق حصلت عليها Revue21، تكشف الإجابة. هذه الملفّات الحساسة تُظهر كيف نفّذ بنك عوده عملية دقيقة لـ”ترحيل” الأموال من لبنان إلى فرنسا، بعيدًا عن أعين الهيئات الفرنسية المعنيّة بمكافحة تبييض الأموال وتمويل الإرهاب، وذلك بهدف الحفاظ على “إدارة زبائن” مغلقة، تُعامل النّقود والفئات الحسّاسة بعناية فائقة.
كنز محمي من الدّائنين
وفقًا لما ورد في المقال، فقد تمّ منذ 2019 تحويل 550 مليون دولار و200 مليون يورو من لبنان إلى فرنسا. ويلفت الكاتب إلى أنّ هذا حصل في حين أنّ المصارف اللبنانيّة منهارة، ورسميًا، لا يُسمح بإرسال المال إلى الخارج إلا في حالات استثنائية كالطّبابة، والدّولة متعثرة عن الدّفع، ومصرف لبنان بلا احتياطات، والأسوأ؛ مع بداية الأزمة، كان لدى بنك عوده فجوة تتجاوز 20 مليار دولار في ميزانيته.
الهدف المزدوج
يكشف فايول أنّ الهدف الأوّل من هذه العمليّة كان الحفاظ على ثقة شريحة محدّدة من زبائن الاغتراب،
والهدف الثّاني هو تجميع صندوق مالي محمي من الدّائنين لاستخدامه في إعادة رسملة المصرف لاحقًا، حين يستسلم المودعون العاديون لفكرة أنّهم لن يستعيدوا أموالهم أبدًا.
تجميد الحسابات… والأرقام في المنطقة الحمراء
فايول يشير في مقاله، إلى أنّ المصرف في باريس بدأ باستهداف الحسابات الأكثر حساسيّة: العائلات الثّرية، الشّخصيّات السّياسيّة، ورجال الأعمال، ولكلّ منهم عملية “إخلاء أموال” خاصّة.
الحجز القضائي
الكاتب يلفت إلى أنّ هذه العمليّة تعرّضت لتهديد كبير بعد 2021، حيث بدأت طلبات الحجز القضائي تتكاثر في فرنسا من مودعين يئسوا من استعادة أموالهم في لبنان، وقد أعلنت المحاكم الفرنسية في بعض الحالات اختصاصها، ما جعل الأموال مهددة حتى داخل الجدران المخملية لـ”عوده”.
ردّة فعل المصرف
يكشف الكاتب أنّ المصرف لجأ إلى إطلاق المرحلة الثّانية من الخطة: إبقاء الأرقام في سجلّات المصرف باللّون الأحمر.
وبدأت التّحويلات نهاية 2022 نحو ثلاثة حسابات عائدة لهولدينغز تابعة للمصرف:
Audi Investments
APB Holding
Banaudi Holding
وتمّ من خلال هذه الخطوة “إخفاء” 43.4 مليون دولار بانتظار انخفاض قيمة اللّيرة أو إقرار إصلاحات تسمح بإعادة رسملة المصرف.
من السّفارات إلى متاجر الـ”غولدن تراينغل”
يؤكّد الكاتب في مقاله أنّه منذ وصول هذه الأموال اللبنانية إلى باريس، لم يقتصر نشاط الفرع الفرنسي على العمليّات التقليديّة. فقد حدّدت Revue21 نحو عشرة زبائن استخدموا السّيولة النّقدية بطريقة كانت ستؤدي إلى بلاغات فورية في أي مصرف آخر، منهم:
سفارة لبنان: 2.3 مليون يورو نقدًا
سفارة العراق: 1.5 مليون يورو نقدًا
هذه المبالغ، بطبيعتها، تُعد عالية المخاطر وتستوجب بروتوكولات تدقيق صارمة.
كما شملت اللائحة محال ومؤسسات راقية في “المثلث الذهبي” في باريس:
متجر الساعات Elysées Shopping 5.8 مليون يورو
دار الأزياء Zuhair Murad 494 ألف يورو
شركة طيران الشرق الأوسط: 489 ألف يورو
سنّة وشيعة… على شبّاك واحد
يكشف الكاتب في مقاله عن “معجزة ماليّة” عابرة للطوائف، حيث اجتمع زبائن من البيئات السّنيّة والشّيعيّة في المصرف نفسه.
يُظهر تقرير داخلي أن جوني عبده، السّفير السّابق في باريس والمستشار المقرّب من سعد الحريري، أودع أكثر من 260 ألف يورو نقدًا في حساب يُغذّيه سعد الحريري نفسه.
كما ظهرت عمليات تخصّ عائلة حجيج، حيث وضعت زوجة قاسم حجيج – المصنّف على لوائح العقوبات الأميركية لعلاقاته مع حزب الله – مبالغ نقديّة غير مبررة، إلى جانب تحويل بقيمة 1.7 مليون يورو استُخدم لاحقًا لشراء شقة في باريس.
قنابل موقوتة
وفقًا للمعلومات المتاحة، لم تُرصد هذه العمليّات المشبوهة، ولم تُبلّغ بها السلطات الفرنسية.
إيليا سماحة، مدير بنك عوده فرنسا، رفض الإجابة التفصيلية، مكتفيًا بالقول إنه مقيّد بـ”السّريّة المهنية”، مؤكدًا أنّ المصرف يطبّق بدقّة القوانين الفرنسيّة المتعلقة بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.
يشير المقال إلى أنّه في تشرين الثاني، كتبت هيئة «ACPR» الرقابية التابعة لبنك فرنسا إلى فروع المصارف اللبنانية محذّرة من “عدة عوامل خطر”، ثمّ صمت تام.
الواضح، وفق المجلة، أنّ هذه المؤسسات المسجّلة كـ”مصارف فرنسيّة” هي قنابل موقوتة:
بعد مشاركتها في تدمير الاقتصاد الوطني اللبناني، وجدت لنفسها مخبئًا في قلب المثلث الذّهبي الباريسي.



