تحليلات سياسيّة ممانِعة: هل للهذيانات نهاية؟

الأمر منوط بتفكير جمهور الثّنائي بعلاقة مختلفة مع من يدّعون تمثليهم تبدأ بالقناعة بتأثير الصّوت الانتخابي الذي يقترع به إبن البيئة السّاعي للتّغيير.
بعد سلسلة أحداث عصفت بالشرق الأوسط، وهزائم مني بها محور الممانعة تحديدًا، بات كثير من التّحليلات السّياسيّة لوجوه المحور مادّة للنقد أو للفكاهة. ترتبط المسألة في جانب منها هنا إمّا بتوقّعات أطلقها سياسيّون ومحلّلون لا تحترم العقل، أو بأخرى أثبتت فشلها وحسب. وفي مثل هذه الحالات فمن الطّبيعي أن تنخفض ثقة الجمهور بـ “نجوم التّحليل”. لكن هل سيؤدي هذا إلى مقاطعة هؤلاء وعدم الإنصات لهم مجددًا؟
على المحكّ
لا شكّ أنّ لعبة صناعة وتلقِّي التّحليل السّياسي معقدة، فأوقات السّلم تختلف عن الحرب، وما يبدو كمادّة معلوماتيّة تتراوح بين التّطمين والتّصعيد والتّرفيه، لن تخضع للكثير من المحاكمات العقليّة لدى مشاهد يكادُ الخوف والأمل يشلَّان تفكيره. يقود ذلك إلى سؤال مهم مفاده:” هل يقدّم الممانعون وداعمو الثّنائي الشّيعي في لبنان مادة سياسيّة عقلانيّة -عالية كانت أم منخفضة النّبرة- حين يتعلّق الأمر بالصّراع مع إسرائيل”؟
رغم عدم قابليّة التّعميم في ظلّ كلام منطقي وتسريبات مصادر من هنا وهناك، إلا أنّنا اعتدنا على لغة سائدة في الخطاب اللّبناني الممانع، بغض النّظر عن عدد مستخدميها. تتميز هذه اللّغة بالعنجهيّة وافتقاد حس المسؤوليّة مع تقديم معلومات أحيانًا وكأنّها ضرب من الغيبيّات والسّحر في زمن سهولة الوصول والذّكاء الصّناعي وانفجار المعلومات!.
ساهم ذلك على مدى سنوات في فصل جزءِ لا بأس به من الجمهور اللّبناني عن الواقع. واليوم وبدخولنا مرحلة محكومة بمنعطفات سياسيّة وعسكريّة خطِرة على المستوى اللّبناني فإنّ تحليلات الممانعين التّصعيديّة أو المهادنة منها لن تبقى وحيدة تحت مجهر المتابعة والتّرقّب، بل أيضًا مدى تفاعل وثقة الجمهور بها.
إستعراض
إذا اختار المحلِّل السّياسي أن يكون أشبه بطبّاخ يفتقد المكونات، ويعوّض عنها بكثرة البهارات، فما الذي سيدفع الجمهور لتذوق ما يصنعه مجددًا؟ إنّها لعبة الشّاشة والميديا بما فيها من عناصر مختلفة، فضلًا عن طبيعة المتابع حين يكون مشدود العصب حتى بدون حروب. ولذلك أسباب تبدأ بالنّظر لصاحب التّحليل بشكل مضخّم، أي بالإصغاء له كما لو أنّه مبعوث من “الباب العالي” (حيث لا يستطيع العوام الوصول)، أو تخيّله كمقاتل على الجبهات، مع أنه غالبًا يكون الأبعد عمليًا عن الخطر في لحظة إطلاقه صواريخه الكلاميّة، والتّهديد بقدرات “الحزب الصّبور المتعالي على الجراح”!
يدرك المحلّل إذًا ماذا يفعل حتى ولو جنحَ في هذياناته نحو الحديث عن “صواريخ تضرب الجليل مقابل كل قرية لبنانية مدمرة (لن يتوقف لسؤال أصحابها عن رأيهم بهذه المعادلة)”، أو في استهتاره بالخسائر البشريّة “طالما أن هناك أرحامًا تلد المزيد ( لن تسأل صاحبة المعادلة طبعًا أهل القتلى عن رأيهم في خسارة ضنى القلوب ونتاج التنشئة وسهر اللّيالي)!.
هي صناعة “الشّو” الاعلامي قبل كل شيء وفق شروط القنوات اللّبنانية المعتادة. ومن جانب آخر هي قنابل مدمّرة للوعي تخرج من أفواه من ينطقون وفق مواقعهم وتشابكات مصالحهم. ينطبق ذلك على أبواق الثّنائي كما غيرهم، فالإنسان موقع ودور ومصالح بالتّأكيد. إلّا أنّ ذلك لا يلغي التّعجّب من قدرة الممانع على الذّهاب بعيدًا في النّطق بلغة ميليشيا على المستوى الإعلامي معتمدًا على القاعدة الميليشيويّة الذّهبيّة:” سنكون أول من يكسب، وآخر من يخسر”!.
فاعل.. لا مفعول به
بالإنتقال إلى ضفّة المتابع أو متلقِّي تحليلات الممانعة، يمكن بالمثل الإشارة إلى الحقيقة البسيطة، أي كونه نتاج موقعه ومصالحه وارتباطه الاقتصادي والاجتماعي بعلاقات تصله بمنافع معينة كـ “القرض الحسن”، أو بالإعتقاد بأنّ القيادي فلان يحميه، والنّائب فلان يؤمّن له وظيفة..وهكذا دواليك. وبالتّالي فلا استثناء على الصّعيد اللّبناني في هذا الجانب، رغم التّفاوت بين بيئة وآخرى، لكن الأمر بالطبع يختلف في حالة الارتباط بأحزابٍ “إلهية” وما يخلفه من حالة استلاب وخراب في الوعي بالذّات الفرديّة والجماعيّة.
وعليه فالموضوع ليس مجرد قابليّة بيئة لتصديق المبالغات والسّحر في اللّفظ والمضمون أكثر من غيرها، بل بوصول إبن هذه البيئة إلى مرحلة من التّسليم المسبق تجاه كل من يرى أنّه يمثل زعامة حزبيًا وإعلاميًا وفكريًا، دون أن يخطر ببال المشاهد أن يسأل:” لماذا تتشابه مضامين محلّلينا في حديثهم عن الرّدع والتّوازن والتّهديد؟. لماذا يبدون أشبه بزعران الحارة المستفيدين من رصيد الرعب المتكرّر الّذي يبثّونه في نفوس السّكّان، مع أنّهم يوجهونه نظريًا إلى العدو الإسرائيلي؟”.
تحليل سحري ومتابع يصدّق
بالمحصلة فالمسألة كذلك إذًا. أي أنه لا يمكن إصلاح العطب لا لجهة التّحليل السّياسي الممانع السّحري، ولا لجهة المتابع الجاهز للتّصديق. وهذا لا يعني أن التّجربة لا تعلّم أو أنّ التّوعية غير مجدية. بالعكس، فالبضاعة الإعلاميّة الكاسدة ستتراجع شعبيّتها. إنما يبقى الخلل الإساس منوطًا بتفكير جمهور الثّنائي بعلاقة مختلفة مع من يدّعون تمثليهم تبدأ بالقناعة بتأثير الصّوت الانتخابي الذي يقترع به إبن البيئة السّاعي للتّغيير، وتنتهي بالتّعاطي بنديّة وحسٍّ نقديّ مع زعماء الشّاشات وحيتان التّحليل ومراكز الدّراسات.




