الكتاب… صديقي الذي لم يخذلني

ليس الكتاب أداة معرفة فحسب، بل رفيق عمر، شاهد على التحوّلات، وذاكرة متنقّلة بين البيوت والأمكنة. هذه شهادة شخصية عن صداقة طويلة مع الكتاب، بدأت طفولةً ولم تنتهِ بعد.
من الصحبة إلى الصداقة
بيني وبين الكتاب صحبة، ثم زمالة، ثم صداقة.
من الصفوف الابتدائية، إلى أن أنهيت التعلّم، وسيبقى معي إلى أن أنهي الحياة… (وهل تنتهي الحياة؟).
رافقني في جميع تنقّلاتي، وفي كل بيت سكنتُه كانت المكتبة أوّل الضيوف.
بدايةً في ربّ ثلاثين قبل الاحتلال، ثم في دير كيفا، ثم في البازورية، ثم في طيردبا.
لقد وردت كلمة «ثم» كثيرًا!
ثم… بيروت
ثم في بيروت.
وفي بيروت تحديدًا:
في الرملة البيضاء، ثم الشياح، ثم بئر العبد، ثم صفير، ثم الحي الأبيض، ثم الكفاءات، ثم الجاموس، ثم — وقد تكون آخر «ثم» — في عرمون.
رحلة لا أدري إن كان الكتاب يفرح بها، أم كان لديه اعتراض أو غضب. فالكتب أيضًا تعترض وتغضب.
(أو لعلّها وُجدت أصلًا لتغضب وتُعترض).
حين دلّني الكتاب على المدينة
كان الكتاب يعزمني دائمًا إلى أماكن وجوده: في المعارض والمكتبات.
هو أوّل من عرّفني على شارع الحمرا، وعلى القاعة الزجاجية، وعلى مكتبة أنطوان، ومكتبة بيسان، ومعرض الجامعة الأميركية، ومكتبة لبنان.
وهو الذي اصطحبني إلى ساقية الجنزير، ليعرّفني على «دار الآداب» وصاحبها الكاتب الكبير سهيل إدريس.
من الكتاب إلى فلسطين
وهو نفسه الذي دفعني للتعرّف إلى الدكتور أنيس صايغ، الذي اختارني للعمل معه في «الموسوعة الفلسطينية» لعدة سنوات.
حرّضني على الكتابة فيها، فأنجزت بحثًا عن الجمعيات في فلسطين منذ مطلع القرن الماضي.
دفعني أيضًا إلى الذهاب إلى مؤسسة الدراسات الفلسطينية، لأفتّش في زوايا الجرائد التي كانت تصدر في فلسطين منذ أوائل القرن العشرين، فعثرت على عدد كبير من الجمعيات في مدن وقرى فلسطين.
جملة اعتراضية… ولكن دالّة
اعترضني يومًا حاجز تابع لإحدى الحركات، فأخذوني إلى بناية واحتجزوني فيها.
وخلال تفتيش حقيبتي وجدوا أضابير كنت أدوّن عليها أسماء الجمعيات الفلسطينية التي أبحث عنها.
قال أحدهم مبتسمًا: «أهلًا وسهلًا… بتشتغل عن فلسطين؟».
صديق دائم… وعتب وحيد
إذًا، الكتاب هو صديقي الدائم.
بيني وبينه حكايات، وقصص، ومقالب، وأفراح، وأحزان، ومواعيد مؤجّلة.
وإذا كان لي من عتب على صديقي الكتاب، فهو أنّه زوّدني بوعيٍ حادّ، لا يتناسب مع ما يحدث في مجتمعنا، ولا مع حال إنساننا… ولا مع إنسانيتنا.
(وهذا موضوع سنتناوله في الأيام المقبلة، أنا وصديقي الكتاب).



