خنقوا الجنوب باسم المقاومة… وحين جفّ المال انكسر الصمت

قبل أن يتمكّن حزب الله من ضيعتنا الجنوبية، كانت القرية موئلاً لكل صاحب رأي حرّ، ولكل حزب وفكر سياسي واجتماعي. تنوّعٌ طبيعي، واختلافٌ علني، وحياةٌ تمضي رغم الحرب والقصف والاضطرابات. لم يكن الجنوب يوماً بيئةً مغلقة، بل مساحة مفتوحة للنقاش والعيش المشترك، حتى في أقسى الظروف.
الضيعة قبل الحزب
في تلك الأيام، كان أبناء الضيعة موزّعين سياسياً وفكرياً: بيئة الأسعد، وبيئة الشيوعي، وبيئة البعثي. وكانت حركة أمل بالكاد تُرى، بواحد أو اثنين يعرّفان عن نفسيهما بمسؤول تنظيمي واجتماعي، فنمزح ونسخر من هذه “الهيكلية”. ومع ذلك، كان الجميع يعيش بسلام: سهرات، ضحك، حفلات، نشاطات ثقافية واجتماعية. كانت جريدة “النداء” تُوزَّع في ساحة الضيعة، ويقرأها الناس ويناقشون السياسة العالمية، من موسكو إلى واشنطن، وتعلو الأصوات في جدلٍ بريء لا يخلو من الكوميديا.
الدين بلا قمع
حتى المتديّنون، من كبار السن وبعض الشباب المؤمنين بصدق، كانوا يجتمعون بهدوء في بيت شيخ الضيعة قرب الجبّانة بعد صلاة الليل. دينٌ بلا سطوة، وإيمانٌ بلا سلاح، ومجتمعٌ يعرف حدوده.
حين دخل المال… خرجت السياسة
عندما تمكّن حزب الله وأطبق خناقه على الضيعة، دخل ومعه مال لم يكن الجنوبي قد رأى مثله. قبل ذلك، كانت المساعدات بسيطة: كيس تمر من البعث، منحة دراسية أو طبابة مجانية من الشيوعي. أمّا ما جاء لاحقاً فكان جبالاً من الأموال والخدمات الاجتماعية، رافقها شيطنةٌ ممنهجة للبعثيين والشيوعيين، واغتيال كوادرهم، وطردهم من الجنوب، ما فتح الباب واسعاً أمام الحزب وإيران للإمساك بمفاصل الحياة اليومية والمؤسسات البلدية والرسمية.
انكسار الهيبة وعودة الصوت
اليوم، بعدما انكسر ظهر حزب الله باغتيال قادته وكوادره، وبعد تجفيف مصادر الأموال التي كان “يرشّها رشّاً” لشراء الذمم، بدأت أصوات الجنوبيين تظهر إلى العلن، وبحدّة غير مسبوقة، ضد الحزب. أصوات خرجت من داخل البيئة نفسها، بعدما سقط الغطاء المالي والسياسي.
الخسارة المزدوجة
المصيبة أنّ المال ذهب، والخدمات ذهبت، وحتى “التمر” والمنح الجامعية ذهبت. لم يبقَ سوى الفراغ. على الأرض… لا حكم ولا بديل.
السؤال الأخير:
من يدفع الثمن في النهاية؟
دائماً وأبداً، ذاك الذي اعتاد أن يسير خلف من يدفع أكثر.
*رابط صفحة الكاتب على فيسبوك




