لم يبقَ لنا بيتٌ نعود إليه… ولا قبرٌ نزوره

لم يكن الدمار الذي أصاب قريتنا مجرّد خراب حجارة. كان اقتلاعًا للذاكرة، واعتداءً على ما تبقّى من صلةٍ بين الأحياء وموتاهم. هكذا، في لحظةٍ واحدة، صار البيت والقبر في العراء.
شباكان على الطفولة
كان بيتنا يملك شباكين. أحدهما شماليّ، يطلّ نهارًا على شجر الزنزلخت، وفي المساء كنت أسامر أنوارًا بعيدة من مستعمرة المنارة الإسرائيلية. في صغري، حاولت إقناع نفسي أن الكهرباء من صنع الشياطين، ولذلك لا ينعم بها العرب والمسلمون أمثالنا. استسلمت لهذه الفكرة في عمرٍ مبكر، كنوعٍ من التعايش القسري مع الحرمان.
باب السر
أما الشباك الشرقي، فكانت الوالدة تسمّيه «باب السر». كان يطلّ على المقبرة وعلى كروم الشراقي. في النهار، تراقب منه كرم التين والعنب. وفي الليل، كنّا نسترق السمع إلى الرعاة، حين يتجمعون خلف باب السر في طريقهم إلى الكروم والأراضي المحتلة مع الفجر.
الغياب الطويل
كبرنا وغادرنا المنزل إلى المدن، ثم إلى بلاد الله الواسعة. كنّا نعود من فترةٍ إلى أخرى، ننعم بفيء الزنزلخت، وبمنظر الرعيان، وبذاك الإحساس الذي لا يشبه شيئًا سوى القرية. كبرنا أكثر، وأقمنا بيوتًا بعيدة عن الضيعة، لكن تلك البيوت دُمّرت لاحقًا في حرب «أولي البأس».
حين طال الدمار القبور
في المقبرة دفنّا الأهل والأحبة والشهداء. كانت المكان الأخير الذي يربطنا بالأرض. إلى أن أتى الدمار على البيوت، ولم تسلم القبور. تبعثرت معالم المقبرة، وضاعت الشواهد، وكأن الموتى أنفسهم شُرّدوا من مرقدهم الأخير.
ما بعد التحرير
بحسب علمي، تحررنا في عام 2000. يومها ازداد حماسنا للعودة إلى البيت القديم، ولزيارة قبور الأحبة. كان التحرير وعدًا بالرجوع، وبترميم ما تهدّم في الروح قبل الحجر.
اليوم، لم يبقَ لنا لا بيوتٌ نعود إليها، ولا قبورٌ نزورها. لم يبقَ سوى الغضب… والدعاء.




