من تفريغ 1282 دكتوراً إلى مجلس الجنوب: الحكومة تموّل انتخابات الثنائي الشيعي؟

الدولة في لبنان تُدار اليوم وكأنها حسابٌ جاري يُفتح لخدمة الحزب وحركة أمل، لا كمرجعية جامعة لكل المواطنين.
والأخطر أنّ هذا يجري بغطاءٍ حكوميّ رسمي، عبر قرارات تمويلية وإدارية تمسّ الجامعة اللبنانية والمال العام معًا بالتزامن مع فضائح تورّط أساتذة وطلاب من بيئة الحزب والحركة في تزوير علامات وشهادات.
خاصّ – “الدّولة”
أولًا: ٩٠ مليون دولار… لمن تُكتب الشيكات؟
قرار تحويل نحو ٩٠ مليون دولار إلى مجلس الجنوب، عبر وزير المالية ياسين جابر، المحسوب على حركة أمل، لا يمكن اعتباره خطوة تنموية عابرة. فهذا المجلس، بحكم واقع تركيبته ومسار عمله التاريخي، مرتبط سياسيًا ببيئة الثنائي الشيعي، ما يحوّل هذه الأموال، عمليًا، إلى إنفاق خدماتي موجّه انتخابيًا داخل مناطق نفوذهما. هنا لا تعود الدولة لاعبًا محايدًا أو حكمًا فوق القوى السياسية، بل شريكًا مباشرًا في تمويل ماكينة حزبية بعينها. والخطورة تتضاعف حين تتم هذه التحويلات في لحظة سياسية محمولة على التوتر والانتخابات المقبلة، ما يجعل المال العام جزءًا من معركة سياسية بدلاً من أن يكون أداة إنقاذ وطني للمواطنين كافة.
ثانيًا: الجامعة اللبنانية… من بيت وطني إلى حقل تجنيد سياسي
في المشهد نفسه يطلّ ملف التفرّغ في الجامعة اللبنانية. فالمقترح الذي قدّمه رئيس الجامعة تضمّن 1282 مرشحًا للتفرغ، وسط أرقام متداولة تُظهر اختلالًا واضحًا في التوازن الوطني والطائفي داخل لوائح المرشحين، مع غلبة لافتة للمرشحين المحسوبين على بيئة الثنائي، واستبعاد شبه ممنهج للأساتذة المستقلين. الأسوأ أنّ التدخل لا يقتصر على الحصة الشيعية، بل يشمل التأثير في بعض الأسماء السنية والمسيحية، بما يحوّل الجامعة إلى مساحة نفوذ سياسي منظم، لا مؤسّسة وطنية قائمة على الاستحقاق والكفاءة. وهنا يصبح التفرّغ، وهو حق أكاديمي بحت، وسيلة لربط الأساتذة إداريًا ومعيشيًا بجهة سياسية محددة. وبذلك يُفرغ التعليم العام من استقلاليته ويُختصر مستقبله بحسابات انتخابية قصيرة النظر.
وعند تفكيك لوائح المرشحين طائفيًا، تتكشّف صورة الخلل بوضوح أكبر:
899 مرشحًا مسلمًا بنسبة 70.1%
377 مرشحًا مسيحيًا بنسبة 29.4%
6 مرشحين غير محددي الطائفة بنسبة 0.5%
أما داخل الطوائف الإسلامية، فجاء التوزيع على النحو الآتي:
513 شيعيًا بنسبة 40% من إجمالي المرشحين
331 سنيًا بنسبة 25.8%
54 درزيًا بنسبة 4.2%
مرشح علوي واحد بنسبة 0.1%
6 غير محددي الطائفة بنسبة 0.5%
وهي أرقام لا تعبّر عن توازن وطني، بل عن غلبة سياسية واضحة، تُضاف إليها حقيقة أنّ جزءًا من الأسماء المُدرجة ضمن لوائح السنّة والمسيحيين أُدخل بطلب مباشر من حركة أمل وحزب الله، ما يحوّل “التنوّع” الظاهري إلى غطاء شكلي لقرار سياسي مُسبق.
ثالثًا: عندما تتكلّم الأرقام… يتكشّف الخلل الوطني
للمقارنة فقط، يكفي التذكير بأن ملفّ تفريغ الأساتذة في العام ٢٠١٤ التزم نسبيًا بالميزان الوطني بين المسيحيين والمسلمين. أما اليوم، فقد تجاوزت الأرقام الخطوط الحساسة التي لطالما حافظت الجامعة عبرها على صورة المؤسسة الجامعة. واللافت أن «التوازنات» المطروحة في الكواليس ليست سوى عمليات تجميل رقمية لتغطية واقع سياسي، حيث تُضاف أسماء هنا وهناك لتبدو اللوائح أكثر تنوعًا، بينما القرار الفعلي يميل بوضوح لصالح الثنائي الشيعي: حزب الله وحركة أمل. وهنا يفقد القانون روحه، وتتحول العدالة إلى حسابات نفوذ. فإذا كانت الجامعة، أبرز مؤسسات الدولة العلمية، تدخل في لعبة القسمة والنفوذ، فأيّ أمل يبقى لبقية المؤسسات؟
الجامعة ليست مزرعة… والمال العام ليس صندوقًا انتخابيًا
ما يجري اليوم في ملف مجلس الجنوب وملف التفرّغ ليس تفصيلًا إداريًا. إنه مسار متكامل يستولي على الدولة قطعةً قطعة: المال العام يُسخّر، التعليم العام يُسيّس، والمؤسسات تتحوّل إلى أذرع حزبية منظّمة. هذا ليس خطابًا طائفيًا ولا تصعيدًا لغويًا، بل دفاعًا بديهيًا عن فكرة الدولة. فالجامعة يجب أن تبقى وطنية، والمال العام يجب أن يكون لكل الناس، ولا يجوز أن تتحول الحكومة إلى مموّل علني لانتخابات الثنائي الشيعي. فالقبول بهذا الواقع يعني التسليم بنهاية الدولة، وبداية زمن الغلبة الكاملة… حيث لا مكان للكفاءة، ولا للشراكة، ولا للمواطنة المتساوية.



