هل تتخلّى إيران عن “الحزب” لحماية النّظام؟
هل تُخمد إيران الإحتجاجات بأذرعها؟
وهل يّدرك شيعة الأذرع أنّ الذّراع يمكن بتره، لكنّ القلب هو الأساس في استراتيجيّة إيران؟
لا تنفكّ التّصريحات الإيرانيّة، على لسان مسؤولين إيرانيّين، تتدخل في الشّؤون اللّبنانيّة، انطلاقًا من اعتبارٍ مفاده بناء مشروع شيعي عالمي قائم على القنبلة النّوويّة أو ما يُسمّى “القنبلة الشّيعيّة”، إسوةً بالقنبلة النّوويّة لدى باكستان. ويطمح هذا المشروع إلى سلخ الشّيعة حول العالم عن أوطانهم، وربطهم بمشروع ولاية الفقيه على كل الأصعدة العسكريّة والماليّة والثقافيّة!
كيف يعرف الفرد نفسه؟
لنأخذ مثال الحالة الباكستانية، فالتّعريف القائم لدى كثير من شيعة باكستان أنّهم باكستانيون شيعة وليسوا شيعة باكستانيون، ولذلك نجد أنّ في باكستان، الدّولة ذات الأغلبية السّنيّة، لديها رموز شيعيّة أثّرت في تاريخ باكستان، وهي رموز مبجّلة من قبل الشّعب الباكستاني على اعتبار أنّهم خدموا مصالح باكستان أولًا.
أمّا في لبنان فما طمحت وتطمح إليه إيران، هو تحويل اللّبنانيّين الشّيعة إلى شيعة لبنانيّين أي تقديم ولائهم الطّائفي على ولائهم الوطني عبر الادعاء أنّ مشروع إيران إنّما هو مشروع عالمي لكل الشّيعة حول العالم، وهذا منافٍ للحقيقة أو على الأقل يتضارب مع المصالح الوطنيّة والوجوديّة للشّيعة في أوطانهم.
الأذرع: أدوات إيران وقت الحاجة
ننتقل هنا إلى تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترامب مؤخرًا: “إذا أطلقت إيران النّار على المتظاهرين السّلميين وقتلتهم، فإنّ الولايات المتحدة ستتدخل لإنقاذهم”. فجاءت تصريحات الإيرانيّين للرّد على ترامب، على لسان لاريجاني: “التّدخل الأميركي في المظاهرات سينشر الفوضى في المنطقة”.
من هنا يبرز التّساؤل: لماذا لم يهدّد الإيرانيّون المصالح الأميركيّة بشكل مباشر؟ وما معنى “نشر الفوضى في المنطقة”، أي عبر أي وسائل وأدوات؟ ويبدو الجواب جليًا وبديهيًا: عبر أذرعهم في العراق واليمن ولبنان وسوريا، وربما في باكستان والهند وأذربيجان وغيرها من الأمكنة. وبذلك، فإنّ ضرب المصالح الأميركيّة عبر الأذرع يعفي إيران من المسؤوليّة المباشرة، بينما نشر الفوضى في المنطقة يهدّد مشروع ترامب للسّلام وما له من تداعيات اقتصاديّة.
لذلك، تؤكد هذه التّصريحات أنّ مشروع إيران كان يسعى على الدّوام إلى حماية مصالحها الاستراتيجيّة على حساب بقيّة المكوّنات والأوطان، وعلى حساب الشّيعة في مختلف أوطانهم، حتى ولو تطلّب ذلك العبث بأمن الشّعوب. فالحفاظ على نظامها يشكّل القلب بالنّسبة لبقيّة الأذرع: فالذّراع يمكن بتره، لكنّ القلب هو الأساس في استراتيجيّة إيران.
الشّعب الإيراني بين المعيشة والمشاريع الخارجيّة
وأمام المظاهرات في الشّوارع الإيرانيّة، خرج الرّئيس الإيراني ليقول إنّ الحكومة ستدعم معيشة المواطنين، مما يعني زيادة الإنفاق. وهذا الإنفاق يراه الشّعب الإيراني حقًا لهم، وليس حقًا لإنفاقه على مشاريع واستثمارات خارج إيران. عندها يصبح تمسّك اللبنانيّين وغير اللبنانيّين بدولهم أمرًا في غاية الأهميّة، إذ لا بديل لهم عن أوطانهم وأرضهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة مع محيطهم، كونها السّبيل الوحيد للحفاظ على وجودهم.
فالشّعب الإيراني نفسه يعارض نظامه الّذي يُنفق موارد الدّولة على الصّواريخ وتمويل الأذرع الخارجيّة، فيما يعاني المواطنون الإيرانيّون من نقص في الغذاء والمياه والكهرباء. وحلم الشّعب الإيراني، كسائر الشّعوب، يتركّز على بناء اقتصاد قوي وتحقيق الاستقرار والسّلام، بعدما تبيّن أن سياسات التّمدد الخارجي لم تُجدِ نفعًا لا في الدّاخل ولا في الخارج.
مصلحة الشّيعة في أوطانهم
لم يعد منطقيًا أن ينتظر الشّيعة في لبنان النّجدة من دولة تعاني أزمات اقتصاديّة كبيرة، في ظل مؤشّرات متزايدة على احتجاجات سببها تردّي المعيشة. ولم يبقَ في هذا الواقع سوى الانفتاح على المجتمعين العربي والدّولي، بدل الارتكان إلى مسارٍ مأزوم. من هنا، تبدو مسؤوليّة شيعة لبنان اليوم في فكّ ارتباط مصيرهم بمصير هذا النّظام، والسّعي إلى خيارات تضمن مستقبلًا أفضل لأبنائهم، قائمًا على الاستقرار والتّنمية لا على الأزمات والحروب المستمرة.
وقد بيّنت الحرب الأخيرة وحرب عام 2006 مدى التّلاحم الوطني بين الطّوائف اللبنانيّة، مهما علت أصوات النّشاز الّتي كانت تشير إلى مؤامرة وحقد وضغينة من قبل الطّوائف اللّبنانيّة على الشّيعة، لكن المعطيات على الأرض أشارت إلى غير ذلك. وما شهدناه من سرديّة لاتهام بقيّة الطّوائف في لبنان، إنّما هي سرديّة تخدم جهات معروفة، كان هدفها على الدّوام شدّ العصب الشّيعي عبر القول إنّ الجميع متآمرون على الشّيعة!
فمصلحة الشّيعة الوجوديّة في أوطانهم وفي علاقاتهم السّليمة والسّلمية مع بقيّة المكوّنات اللّبنانيّة وضمن الدّولة اللّبنانيّة وتحت سقفها ومع طوائف البلد كافّة: المسيحيّون والسّنة والدّروز وبقيّة المكونات.




