أميركا تلقّن البشرية درساً

أميركا تلقن البشرية درساً جديداً في التاريخ: أصبحت، للمرة الأولى دولة استعمار على النمط الأوروبي القديم، في دولة من العالم الثالث، الذي لم يقاوم ولم يعارض ويرفع صوته احتجاجاً..بل صفق معظمه، كما يبدو.
صفّق الشعب الفنزويلي للمستعمر الاميركي الذي أزاح عن كاهله حاكماً تعفن بالفساد، وجعل من تلك البلاد الغنية بثرواتها ومواردها الطبيعية، ومن شعبها الحيوي، سليل سيمون بوليفار بطل تحرير أميركا اللاتينية من الاستعمار الاسباني، أسيراً للفقر والجوع، يخرج بالملايين، في مشهد لا يمكن نسيانه، نحو البلدان المجاورة بحثاً عن الخبز وحليب الأطفال.
ما أن أعلنت أميركا أن الجمهورية البوليفارية الفنزولية باتت تحت وصايتها ورعايتها وإدارتها المباشرة، عادت الى الاذهان تجارب دول أوروبية مثل البرتغال اسبانيا وبريطانيا وفرنسا وإيطاليا وغيرها في مختلف انحاء الكرة الأرضية من جنوبها الافريقي الى شرقها الاسيوي الأقصى او الأدنى في القرون الماضية. الفارق الوحيد هو ان فنزويلا دولة قائمة، وليست بقعة فراغ او فوضى، تخلى عنها التاريخ أو نسيها، وفقد سكانها الاصليون كل عصبية ماضية، ورفع معظمهم راية الاستسلام من دون مقاومة تذكر.. قبل ان تتشكل عصبياتهم وهوياتهم الجديدة في ظل الاستعمار الأوروبي نفسه.
انقلاب من الخارج
قدم المستعمر الأميركي الجديد، نموذجاً جديداً: لا يمكن ان يوصف هجومه العسكري على فنزويلا، بالغزو او الاجتياح او التوغل. كان انقلاباً من الخارج، لم يكن بحاجة الى أي دور عسكري فنزويلي، كما هو حال الحروب المتلاحقة التي شنتها أميركا على دول أميركا الوسطى في القرن الماضي، والتي فشلت في معظمها في تفويض الأميركيين بإدارة تلك الدول، لا سيما منها كوبا. نفذت اميركا عملية عسكرية جراحية خاطفة، اعتقلت الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته، وأبلغت بقية المسؤولين الفنزويليين بالبقاء في مناصبهم حتى يتولى فريق من إدارة الرئيس دونالد ترامب تعيين بدائل لهم.. بعد أن تكون شركات النفط الأميركية الكبرى قد استولت على قطاع النفط الفنزويلي المدمر وشرعت في إعادة بنائه وتسويق منتجاته بنفسها، ونقل عائداته الى البنوك الأميركية.
تفاصيل العملية وخلفياتها، وسكون الشارع الفنزويلي، يوحي بأن الجمهورية البوليفارية ستكون أسوأ من “جمهورية موز”لاتينية، وأقل من بئر نفطي سليب. لا جدال في قوة أميركا العسكرية، وتفوقها، لكن التاريخ سيكتب أيضا هذه المرة ان الذين حكموا تلك الجمهورية طوال العقود الماضية، تحت شعارات يسارية جوفاء، وآخرهم سائق الباص السابق، المعتقل الحالي في السجون الأميركية، بتهمة تهريب المخدرات، هم الذين أضاعوا الحكم، وهم الذين ركّعوا الشعب الفنزويلي أمام الجزمة الأميركية، واتاحوا لها ان تقدم مثالاً فجاً عن الاستعمار العصري الذي لم يتجرأ على دول إحتلها وأحرقها بالسلاح النووي والتقليدي، في أواسط القرن الماضي، مثلما يتجرأ اليوم على فنزويلا.
الباب انفتح… من التالي؟
هي سابقة تاريخية فعلا، لأن أميركا لن تتردد بعد اليوم في أن تشن مثل هذه العمليات العسكرية الجراحية على بلدان فاشلة مثل فنزويلا، تحت شعار مكافحة المخدرات الذي استخدمه الأوروبيون في مختلف حملاتهم الاستعمارية ، وأن تخضعها لإدارتها المباشرة بناء على حسابات دقيقة لما تحتويه من موارد طبيعية، ومعادن نادرة تحتاجها الصناعة الأميركية، وتشكل عنوان معظم الصراعات في التجارة الدولية حاليا. وهي علامة فارقة في السياسة العالمية، لأن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بالذات، الذي أدان العدوان الأميركي على حليفته السابقة، نام بالأمس على حلم قديم، بأن يرسل الجيش الروسي، بعد ان يتحقق هدفه في أوكرانيا، في مهمات توسعية جديدة خارج الحدود والقوانين التي صنعها الغرب وخرقتها أميركا دائما. لتكون تلك المهمات بمثابة سباق استعماري جديد بين دولتين عظميين لا تفصل بينهما الأيديولوجيا ولا السياسة.. ولا تختلفان على أن إيران، المصنفة في مرتبة الدولة الفنزويلية المعادية والفاشلة، لن تخضع لهذا التنافس، بل ربما تكون حافزاً لحسم نتائجه النهائية في الشرق الأدنى كله.




