ADAWLAADAWLAADAWLAADAWLA
  • الرئيسية
  • خاصّ – الدّولة
  • مَحلّي
  • عربي-دولي
  • Podcast
✕

كيف أجابت والدتي فريد الأطرش؟

18.01.2026
Categories
  • خاصّ - الدّولة
Tags
  • جرجوع
  • جنوب لبنان
  • فريد الأطرش
  • لبنان
  • مغدوشة
محمّد شامي

كاتب من بلدة جرجوع في جنوب لبنان

You do not have any posts.

” خلص غيّرو رح يفقع قلبنا” … تقول أمي
ليجيبها والدي على الفور: “يلّا وصلنا عصيدا شوي وبيخلص”.

 

كانت الرّحلة الأسبوعيّة من بيروت الى جرجوع تستغرق أسطوانتين، فريد الأطرش من بيروت حتّى صيدا وأسطوانة المنوّعات تبدأ من صيدا وتنتهي قبل وصولنا الى بيتنا في جرجوع بدقائق قليلة.

هما أسطوانتان لا غير قضيت طفولة كاملة في سماعهما، الأسطوانة الأولى لأغنية فريد الأطرش “أوّل همسة”، والأسطوانة الثّانية لساعة من المنوّعات تبدأ بأغنية “قمرة يا قمرة” لفيروز، يليها أغنية “يا ستي يا ختيارة” لطروب، وبعدها أغنية “هزّي يا نواعم” لعصام رجّي، وأغنيات أخرى حفظتها كاملةً بترتيبها وعن ظهر قلب لكثرة ما سمعتها.

عدم وجود البديل حتّم سماعهما
لم أر يومًا سيارة مجهّزة بقارئ أسطوانات (Tourne disque) سوى سيّارة والدي الفولكس فاجن 1200 وكان ذلك في سبعينيات القرن الماضي، ولندرة الأسطوانات أو بسب غلاء أسعارها وقتها، اكتفى والدي باقتناء هاتين الأسطوانتين، وعدم وجود راديو في السّيارة حتّم علينا سماعهما على مدار الوقت كيفما يمّمنا وجهنا.

كان الطّريق الّذي نسلكه من حي السّلّم إلى الجنوب، مختلفًا إلى حدٍّ بعيد عن هذا الّذي تعرفه النّاس اليوم، فلم يكن موجودًا بعد، الطّريق الذي يربط صحراء الشويفات بخلدة، بل كنّا نعبر بزاروب بالقرب من كلية العلوم، أضحى اليوم داخل حرم الجامعة اللّبنانيّة في الحدث، ولم تكن الأوتوسترادات الممتدة على طول الخط الساحلي منجزة في تلك الفترة، حتى أوتوستراد صيدا – النّبطية لم يكن قد أبصر النور. رغم ضيق الطّرقات وطول المسافات والوقت المضاعف حتى نصل كانت الرّحلة الى البلدة أكثر متعةً وجمالًا، فعلى طول الطّريق حدائق وبساتين وشواطئ متاخمة للطّرق وأماكن يكاد البحر فيها يلامس الدّرب.

لم يغب “مشوار الضيعة العتيق” من ذاكرتي. بل أتعمّد أحيانًا أن أسلك ما تبقّى من الطّريق القديم لبلدتي كي أبحث في الذّاكرة عن أشياء أخرى، قبل أن يمحوها العمر

تنتهي المقدمة الموسيقية الطويلة لأغنية “أوّل همسة” أول كفرشيما وهي عبارة عن ربع ساعة من العزف المنفرد على آلة العود وعلى طريقته يبدع فريد الأطرش بالإيحاء كأن آلته تختصر عدّة أعواد يعزفون في آن، وطبعًا، في كل مرّة نكون نحن، العائلة المجتمعة في السّيارة المتوجّهة إلى القرية مأخوذين بالعزف الرّائع وبالمديح المتتالي من والدي لعظمة فريد الأطرش. فعند انتهاء المقدمّة الموسيقيّة نتنفس جميعًا الصُّعداء، أمّي وأبي، أخوتي وأنا بالاضافة الى برهة استراحة يأخذها فريد الأطرش، لتنطلق بعدها الأغنية ونستكمل معها رحلتنا جنوبًا.
“بحبك في قربك، في قربك وبعدك” يعني أنّنا وصلنا الى معمل كهرباء الجيّة، يستمر فريد الأطرش بتكراره هذا المقطع كأنّه يريد اعطاءنا مزيدًا من الوقت كي يتأكّد من وصولنا الى الجيّة.
نصل الى جسر الأوّلي وفريد الأطرش يجهش بـ “مليش أمل يا حبيبي فيك، غير إنّي شوفك بعيني”، هنا كانت تتدخل الوالدة بالقول:
– “خلص غيّرو رح يفقع قلبنا”.
ما أن نصعد نحو مغدوشة حتى تبدّل فيروز أجواء رحلتنا بأغنية “قمرة يا قمرة” وبعدها نرافق طروب غناءً “يا ستي يا ختيارة” نخرج من قرية وندخل أخرى وأغاني اسطوانتنا تتتالى حتى نصل الى مقصدنا مع انتهاء الاسطوانتين تمامًا.

بحثٌ في الذّاكرة
لم يغب “مشوار الضيعة العتيق” كما يحلو لي أن أسمّيه من ذاكرتي. بل أتعمّد أحيانًا أن أسلك ما تبقّى من الطّريق القديم لبلدتي كي أبحث في الذّاكرة عن أشياء أخرى، قبل أن يمحوها العمر. ولا زلت أدندن جملًا ومقاطعَ ارتبطت بالأماكن كلّما مررت بها، فلهذا المفرق مقطعه ولهذه القرية أغنيتها. وتظلّ الأماكن تختزن ما حملته من نغم وموسيقى وأحداث وانفعالات.
فالمشوار العتيق هذا يشبه رحلة عمري الحقيقي الّذي أعيشه، الرّتابة والتّنوع معًا، ميل لسماع فريد الأطرش، حبّ استثنائي لأعمال ناظم الغزالي وارتباطها بالموروث العراقي الحزين وميل شديد لسماع أغاني طروب وعشق للحياة، ما أضيق العيش لولا فسحة الفن.

 

إقرأ أيضاً: رسالة إلى نوّاف سلام: لقد خيّبتَ آمالنا

Share

مواضيع مشابهة

24.01.2026

“تجمّع أبناء البلدات الحدوديّة” في بعبدا: برّي يدعم عون “شعبيًا”


Read more
24.01.2026

برّي في بعبدا: مع عون ضدّ الحزب وأبواقه


Read more
23.01.2026

حين يصبح الإعلام شريكًا في الفتنة.. من يضبط الانفلات؟


Read more
‎© 2026 الدولة | جميع الحقوق محفوظة | مدعوم بحرية التعبير