العودة إلى العديسة… هل يُزهر الرّمان مجدّدًا في نيسان؟

اعتصرني الألم والغضب ولم أزر قريتي لأنّني لن أحتمل المشهد.. أبي التزم الصّمت وأمي قالت: “ما ضل شي”.
فهل من عاقلٍ ينتشلنا من بؤسنا؟
كانت الزّيارة الأخيرة لعائلتي إلى قريتنا العديسة منذ نحو سنة، حين سُمح لأهالي القرى الحدودية بالعودة لتفقّد أرزاقهم بعد الحرب.
أذكر جيّدًا الخيبة والحزن العميقين اللّذين بديا على وجوه أفراد العائلة عند العودة.
اكتفت أمي بجملة واحدة لوصف ما شاهدته: “ما ضل شي”، أمّا أبي فالتزم الصمت.
شعرتُ في تلك اللّحظة بألمٍ وغضبٍ يعتصرانني من الدّاخل. لم تكن لديّ قدرة على فعل أيّ شيء سوى الاحتجاج المستمر والكلام، ولا قدرة لي على زيارة قريتي، ليقيني التّام بأنّني لن أحتمل المشهد عن قرب. اكتفيتُ بما صوّرته لي أختي، وبما كان يصلنا عبر وسائل الإعلام.
“بس نرجع عالعديسة”
منذ 8 تشرين الأوّل 2023، تاريخ انطلاق ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، لم يتوقّف أهلي يومًا عن ترداد العبارات نفسها: “بس نرجع عالعديسة بدنا نعمل كذا وكذا…”، إلا أنّهم توقّفوا نهائيًا عن تردادها بعد زيارتهم الأخيرة، حين شاهدوا جنى العمر مسوّى بالأرض، وقريةً كاملةً لم يبقَ فيها حجرٌ على حجر، وحريّة حركة كاملة للجنود الإسرائيليّين بالدّخول والخروج من وإلى الأراضي اللّبنانية.
كانت الزّيارة الأخيرة لعائلتي إلى قريتنا العديسة منذ نحو سنة، حين سُمح لأهالي القرى الحدودية بالعودة بعد الحرب. أذكر الخيبة والحزن اللّذين بديا على وجوههم عند العود
أعلام صفراء فوق الرّكام..وهزيمة
مظاهر الهزيمة تتجلّى بقوة، وتتوّجها أعلام صفراء فوق الرّكام وشعارات نصر.
من سيعوّض علينا؟ وكم من الوقت سيستغرق بناء قرية كاملة بمنازلها ومؤسّساتها التّجاريّة وبناها التحتية؟ كم بقي من العمر حتى نسترجع كل ما خسرناه؟
تفاصيلنا اليومية تحوّلت إلى أحلامٍ صعبة المنال:
لا رمّان في أيلول، ولا زيت زيتون “أصلي”، ولا مربّى التّوت الأسود من الجنينة، ولا تين الصّبح “قطف دغري عن الشّجرة” من الكرم، ولا اجتماعات عائليّة كبيرة على الغداء، ولا “كزدورة” في الهواء البارد بعزّ الصّيف مقابل “مسكاف عام”، ولا مياه من “العين”.
العودة
عبارة “العودة” لم تكن حاضرة مؤخّرًا قبل اندلاع الحرب، ولا حتّى في خيالنا، أمّا اليوم فقد باتت تتردّد على ألسنة الجنوبيّين كما الفلسطينيّين.
والأقسى من كل ذلك أنّ صدمة فقدان الرّزق لا تخفّ مع مرور الزّمن، بل تشتد، ويشتد معها الشّعور بالغبن، والسؤال الدائم:
لماذا صمتت الأغلبية عن تهجيرها سنةً كاملة، ولم ترفع الصّوت في وجه خيارات “القيادة” المنعدمة الأفق؟
”بقولوا الصّوت بيعلى لأن الرّزق غالي”، فلماذا كان صوتنا منخفضًا؟ أعتقد أنّ الجميع يعرف الجواب.
هل من عاقلٍ ينتشلنا؟
ماذا ينتظرنا بعد من مفاجآت لم تكن لدينا القدرة على تخيّلها في هذه المنطقة الّتي لا يُستبعد فيها أي مشهد؟
مشاهد الدرونات التي تلاحق الجنوبيين، وتوجّه لهم الكلام وتعطيهم الأوامر، الاغتيالات اليومية على الطرقات، أصحاب منازل ومؤسسات مهدّمة يحتجّون لعدم قدرتهم على دفع إيجار منازلهم في مناطق النّزوح، طلب التّصاريح لقطاف الزّيتون، بيع الممتلكات بأثمانٍ زهيدةٍ للسّفر أو الانتقال إلى مناطق أكثر أمانًا…
هل ينقصنا مشهد مخيّمات الغرف الجاهزة، كي يكتمل هذا البؤس الذي لم يظهر “عاقل” حتى اللّحظة لينتشلنا منه؟
إقر أيضاً: هل تنفصل “حركة أمل” لتبقى؟




