لا تغطّوا المحور في لحظة تعريته

التّضامن مع علّيق وبرّو ليس تكريساً للقيم الدّستوريّة ولا الدّيمقراطيّة، بل أشبه بطقوس أو شعائر تغتال ما تبقّى من وعي الرّأي العام.
أثار الاستدعاء ومذكرة التّوقيف بحق الصّحافيَّين حسن علّيق وعلي برّو عاصفةً من ردود الفعل المتباينة في الأوساط الإعلاميّة اللبنانيّة. وبينَ مَن استنكروا أو أثنوا أو حاولوا مسك عصا المواقف من المنتصف كان بارزاً تكرار فكرة “التّضامن” بصيغتها السّائلة المطّاطة المعتادة على السّاحة اللبنانيّة.
ومع التّأكيد طبعاً على حق التّعبير المكفول في بلد اعتاد أن يباهي بحريّاته، فإن هذا لا يمنع من التّوقّف عند ظاهرة البازارات التّضامنيّة، وسباق تسجيل النّقاط والمواقف بما يُفرّغ الحريّة والقانون على السّواء من مضامينهما.
إثارة الغبار
والحال أن المشكلة ليست في إعلان دعم شخص ما، بقدر ما هي في خلق مبررات أقل ما يقال عنها أنها تزيد الصورة تشوشاً، ولا تؤدي إلا إلى إثارة المزيد من الغبار وتضييع الحقائق.
مفاهيم لا دولتيّة
ففي مثال علّيق وبرّو وفريق الجهات والشّخصيّات المتضامنة معهما تبرز نقطتان أساسيّتان تستحضران مجموعة من الأسئلة. تتمثّل النّقطة الأولى بتقديم المتضامنين خليطاً غير متجانس من مفاهيم ناشطيّة لا دولتيّة وأخرى أبويّة طفوليّة.
وهؤلاء اعتادوا أن يُعنونوا مواقفهم بحماية “الدّيمقراطيّة”، مع علمهم بأنّ الاستدعاء يجري في العلن وضمن مسمّيات مؤسّساتية واضحة. أي أنّ المسألة ليست شخصيّة ولا كيديّة. أمّا الأسوأ في حجج المتاضمنين فهو قول بعضهم:” لو أنّ الاستدعاء جرى على خلفيّة مسائل أخرى لا علاقة لها برئيس الجمهورية”!. هنا يستشعر السّامع من الكلام لغة وعظ أبويّ وكأنّ القائلين يرون الموضوع ذو طابع عائلي يتعلّق بتوبيخ طفل وخلق أسباب وجيهة لذلك!.
التّضامن مع علّيق وبرّو ليس تكريساً للقيم الدّستوريّة ولا الدّيمقراطيّة، بل أشبه بطقوس أو شعائر تغتال ما تبقّى من وعي الرّأي العام
ميليشيا لا صحافة
ولعل هذه اللّغة تشكل مدخلاً كي ننتقل بسهولة إلى النّقطة الثّانية والأهم ألا وهي “موقع” صاحب العلاقة، وكلمة “موقع” تعني التّوصيف والدّور الخاص به. فإذا كان المنطلق هو كونه “مواطناً لبنانيّاً” يتعاطى بالشّأن العام، فمن الطّبيعي أن تخضع مسائل كهذه لسلطة الدّولة كما هو الحال في جميع دول العالم الحر الّتي تتولّى مسؤوليّة تجاه مواطنيها.
أما إذا كان الموقف مبني على توصيف المعنيّين كـ “صحافيّين” فهذا ما يستلزم السّؤال:” هل أنتم جادّون أم تمزحون؟”. فأن تعمل بهذه الصّفة في بلد كلبنان هو أسهل شيء، وهو يعني نظرياً: أن تعمل خارج إطار السّلطات الثّلاث المعروفة رقيباً وأميناً على مصالح النّاس”. غير أنّ الأمر ليس كذلك في حالة برّو وعلّيق وأشباههم، هم وإن مارسوا عملاً صحفياً فهم ينتمون -ويعلنونها على رؤوس الأشهاد- إلى سلطة موازية لسلطة الدّولة، وهم حين يتحدّثون بصوت الميليشيا وتهديداتها لـ “الخونة” و”العملاء” فإنّهم يجسّدون ما هو أبعد من فكرة تمثيل سلطة وقوّة تنفي عنهم صفة الصحافيّين عملياً. إنّهم يمثلون القوّة الخارجيّة والدّولة التي تمولهم وتمدّهم بعناصر إحداث الرعب في الدّاخل اللبناني (لا الإسرائيلي كما يدّعون).
شعوذات مقاومة
وبهذا المعنى فالمال والتموّل ليس مذمّة، لكنه هنا جزء من صناعة “سلطة” يضربون بسيفها وينتسبون إليها، موضوعها الأساس وعنصر بقائها هو إضعاف فكرة “الدّولة” باستخدام عناوين وشعوذات لغويّة تتعلق بـ “المقاومة” ترفعهم إلى مرتبة المشايخ والكهنة ومحتكري حقائق الكون القادرين على هدر دماء الآخرين باستخدام لغة شبه سياسيّة لا تعترف بحدود ولا بقانون ولا بديمقراطيّة، ولا ترى في المناوئين ولا في المتضامنين سوى هدفٍ لاحقٍ يمكن النّيل منه في لحظة فائض قوة.
لا لاغتيال ما تبقّى من وعي
أنْ تتضامنَ في بلد كلبنان هو مظهر حضاري ولا شك، لكن أن يتكرّر الأمر بطريقة تشبه طقس أو شعائر تغتال ما تبقّى من وعي الرّأي العام لصالح مكاسب واستعراضات ضيقة ومؤقتة فهو مأساة لا تساعد على التّقدم لا في ترسيخ القيم الدّستوريّة ولا الدّيمقراطيّة، بل تعطي غطاءً إضافياً مجاني لمحور الجريمة المنظمة في ذورة لحظات انكشافه وتعريته.
إقرأ أيضاً: تعنّت “وصيّ السّلاح” والولادة القيصريّة لـ”الدّولة”




