خامنئي يختبىء خلف الرّموز: الأيديولوجيا في قعرها الأمني

ماذا تعني زيارة خامنئي إلى مسجد جمكران وضريح الخميني؟ وماذا يحدث عندما تتقدّم الأيديولوجيا على السّلامة؟ وكيف يحاول المرشد المحافظة على نظامه باتّباع أسلوب صفي الدّين؟
ما يقوم به المرشد الإيراني في هذه المرحلة من زياراتٍ علنيةٍ، يشبه إلى حدّ بعيد ما قام به السّيد هاشم صفي الدّين في لبنان، حين أصرّ على البقاء في موقع مكشوف أمنيًا رغم التّحذيرات الواضحة وارتفاع مستوى الانكشاف. في الحالتين، لا نتحدّث عن خطأ في التّقدير أو جهل بالمخاطر، بل عن قرار أيديولوجي واعٍ يقدّم الرّمز على السلامة، والمعنى على الحساب العقلاني.
إعادة ضخّ الماورائيّات في السّياسة
لا يمكن فصل زيارة المرشد الإيراني إلى مسجد جمكران عن السّياق السّياسي – الأمني الّذي تعيشه إيران والمنطقة. فالمسجد، وفق السّرديّة الشّيعية الاثني عشريّة، يرتبط بعقيدة الإمام المهدي والغيبة، ويُروَّج له كمكانٍ أُمر ببنائه من الإمام المهدي نفسه(القرن الرابع للهجري)، وكموضع تُستجاب فيه الدّعوات. استحضار هذا الرّمز في لحظة ضغط قصوى ليس فعلًا تعبديًا بريئًا، بل إعادة ضخّ للمعنى الغيبي في المجال السياسي.
تعبئة واحتماء بالغيب
في هذا الإطار، لا تعبّر الزيارة عن ثقة بالنّفس بقدر ما تعكس حاجة النّظام إلى الاحتماء بالرّمز حين تضيق هوامش المناورة الواقعيّة. فعندما تصبح الخيارات السّياسيّة والعسكريّة محدودة، تُعاد محاولة إنتاج الشّرعيّة عبر استدعاء الغيب، لا عبر تقديم أجوبة عمليّة على أسئلة الدّاخل والخارج. هنا يتحوّل الدّين من منظومة إيمانية إلى أداة تعبئة وتعويض عن مأزق استراتيجي.
محاولة لإعادة إنتاج مشروعيّة
تتعمّق الدّلالة مع الانتقال من جمكران إلى ضريح الخميني، فهذا الانتقال ليس تفصيلًا بروتوكوليًا، بل حركة رمزيّة محسوبة: من المهدويّة والانتظار إلى الثّورة والتّأسيس. الرّسالة الأساسيّة ليست طمأنة الخارج، بل شدّ العصب الدّاخلي عبر ربط اللّحظة الرّاهنة بلحظة “الانطلاق الأولى”، في محاولة لإعادة إنتاج مشروعية تتآكل تحت ضغط العقوبات، والانكشاف الأمني، والتّحديات الاجتماعيّة.
أيديولوجيا تصف الإنكشاف بـ”القدر”..
هذا السّلوك لا يقتصر على الحالة الإيرانية، بل يندرج ضمن نمط أوسع في الأيديولوجيات المغلقة، حيث يُقدَّم الانكشاف على أنه فضيلة، وتُعاد صياغة المخاطرة بوصفها “قدرًا” أو “اختبارًا تاريخيًا”.




