من مهدي عامل إلى لقمان سليم… هذا ما خافوه

من مهدي عامل، المفكّر الماركسي الّذي اغتيل لأنّه حاول تفكيك البنية الطّائفية بالعقل والتّحليل، وصولًا إلى لقمان سليم، المثقّف الشّيعي الحر الّذي رفض أن تكون طائفته صندوق ذخيرة في صراعات إقليمية. القضاء على نهجٍ وفكر وليس شخص.
لم يكن اغتيال لقمان سليم حادثة معزولة في تاريخ الاغتيالات السّياسية في لبنان، بل حلقة في سلسلة طويلة استهدفت نهجًا كاملًا قبل أن تستهدف أشخاصًا. من مهدي عامل، المفكّر الماركسي الّذي اغتيل لأنّه حاول تفكيك البنية الطّائفيّة بالعقل والتّحليل، وصولًا إلى لقمان سليم، المثقّف الشّيعي الحر الّذي رفض أن تكون طائفته صندوق ذخيرة في صراعات إقليمية، السّؤال واحد: هل يُغتال الأشخاص أم يُغتال الفكر؟
ثمن الجرأة
لقمان سليم لم يُقتل لأنّه يحمل اسمًا، بل لأنّه مثّل نهجًا شيعيًا مختلفًا، نهجًا منفتحًا، نقديًا، يضع الدّولة والقانون والعدالة الاجتماعيّة فوق العصبيّات والسّلاح والشّعارات. هذا النّهج نفسه الّذي مثّله مهدي عامل قبله، ودفع ثمنه لأنّه تجرّأ على القول إنّ الطائفيّة ليست قدرًا، وإنّ التّحرّر لا يمرّ عبر الاستبداد ولا عبر تحويل النّاس إلى أدوات.
الشّيعة جزءٌ من مشروع الدّولة
ما يجمع بين مهدي عامل ولقمان سليم، رغم اختلاف الزّمن والأدوات، هو الإيمان بأن الشّيعة في لبنان ليسوا جماعة مغلقة ولا مشروع حرب دائمة، بل جزءٌ أساسيٌ من مشروع دولة مدنيّة عادلة. شيعة يؤمنون بالعلم، بالثّقافة، بالاختلاف، وبأنّ العدالة الاجتماعيّة لا تُبنى بالسّلاح ولا بالخوف، بل بالقانون والمؤسّسات.
لقمان سليم لم يكن حالة فرديّة، بل امتدادًا لخطٍ فكري أراد أن يُعيد الشّيعة إلى موقعهم الطّبيعي: شركاء في الوطن، لا وقودًا في معارك الآخرين
إسكات الأصوات
اغتيال هذا النهج لم يكن يومًا صدفة. هو محاولة دائمة لإسكات كل صوت شيعي يرفض التّطرّف، ويرفض أن تكون الطّائفة ورقة تفاوض بيد مراجع دينيّة أو سياسيّة من خارج الحدود. كل من يخرج عن السّرديّة المفروضة، كل من يسأل: أين الدّولة؟ أين العدالة؟ أين كرامة الإنسان؟ يصبح خطرًا يجب شطبه.
يخافون الحريّة والنّقد
لقمان سليم لم يكن حالة فرديّة، بل امتدادًا لخطٍ فكري أراد أن يُعيد الشّيعة إلى موقعهم الطّبيعي: شركاء في الوطن، لا وقودًا في معارك الآخرين. اغتياله، كما اغتيال مهدي عامل، هو رسالة واضحة بأن المشكلة ليست في الاسم، بل في النّهج. نهج الحرية، العقل، والنّقد، الذي يخيف أكثر من أي سلاح.
يُقتل الجسد ويبقى الفكر
لكن التّجربة أثبتت أنّ الأفكار لا تُغتال. يُقتل الجسد، يُسكت الصوت، لكن النّهج يبقى. وكل ذكرى لقمان سليم، كما ذكرى مهدي عامل، تذكير بأنّ داخل هذه الطّائفة، كما في كل لبنان، من لا يزال يؤمن بالدّولة، بالقانون، وبأنّ المستقبل لا يُبنى بالخوف بل بالوعي.
إقرأ أيضاً: هذا ما كسبته كشيعي عاملي: “الهزيمة المقدّسة”




