ADAWLAADAWLAADAWLAADAWLA
  • الرئيسية
  • خاصّ – الدّولة
  • مَحلّي
  • عربي-دولي
  • Podcast
✕

موسى الصّدر.. كيف حوّل الشّيعة من «شركاء هادئين» إلى «كتلة متفجّرة»؟

05.02.2026
Categories
  • خاصّ - الدّولة
Tags
  • الشيعة
  • حركة أمل
  • لبنان
  • موسى الصدر
أنطونيوس نادر
You do not have any posts.

من الإقطاعيات التّاريخية إلى عصر العمامة: كيف أنهى موسى الصّدر الزّعماء التقليديين للشّيعة؟ وكيف تحوّل «المتاولة» إلى «رجال رفض وانتقام»؟

خلافًا للسّردية الشّائعة الّتي روّجت لها «الحركة الصّدريّة»، لم يكن الشّيعة في لبنان مُهمَّشين دستوريًا ولا مُلغين من الخارطة السّياسيّة قبل وصول موسى الصّدر. بل إنّ التّاريخ يُظهر، للمفارقة، أنّ الكيانيّة اللّبنانيّة كانت الحاضنة الأولى الّتي منحت الشّيعة اعترافًا لم ينالوه في محيطهم الإسلامي الأوسع. فمنذ نظام المتصرفيّة عام 1864، خُصِّص للشّيعة، أو المتاولة كما سُمّوا آنذاك، مقعد في مجلس الإدارة ووظائف تتناسب مع عددهم، أسوةً بالطّوائف الخمس الكبرى، ما وفّر لهم أمانًا سياسيًا مبكرًا. ثم جاء دستور 1926 ليُكرّس هذا الاعتراف، فرسم حدود «لبنان الكبير» بما يضمّ الثّقل الشّيعي في الجنوب والهرمل، ومنح الطائفة حيّزًا من الشّرعية الدّستوريّة لم تعرف له مثيلًا في تاريخها العثماني، حيث كانت تُذاب في «الأكثريّة الإسلاميّة السّنّية».

موسى الصّدر حطّم النّموذج القائم
بناءً عليه، لم تكن مشكلة الشيعة هي الغياب عن النظام، بل كانت تكمن في نعي الحضور الذي أدارتْه الزعامات التقليدية، وهو حضور اتّسم بالاندماج الهادئ والقبول بقواعد اللعبة التي صاغتها المارونية السياسية.
من هنا تتكشّف عبقرية مشروع موسى الصّدر في وجهه الآخر؛ فهو لم يأتِ لينتزع اعترافًا مفقودًا، بل ليحطّم نموذج الاندماج القائم. أدرك الصّدر أنّ «الزّعامات التّقليديّة» كآل الأسعد وحمادة والخليل تستمدّ شرعيتها من هذا التّاريخ الدّستوري الطّويل الذي جعلها جزءًا عضويًا من النّظام اللّبناني. ولإزاحتها، كان لا بدّ من نسف السّرديّة بأكملها. هكذا اخترع الصدر سرديّة المظلوميّة وأسطورة الحرمان ليُغطّي بهما واقع المشاركة الدّستوريّة، محرّفًا الأنظار من المكاسب السّياسية الفعليّة، كَرئاسة مجلس النّوّاب والمناصب الإدارية، إلى الفوارق الطبقيّة والخدماتيّة القائمة. وبعبارة أدق، حوّل الصّدر الصّراع من صراع طائفة تبحث عن مكان في الدّولة، وهو مكان كان موجودًا أصلًا، إلى صراع طبقة محرومة تبحث عن العدالة، مستخدمًا هذا التّحوّل لضرب الإقطاع السّياسي الذي شكّل حارس الهيكل لذلك الاندماج التاريخي.

خلافًا للسّردية الشّائعة الّتي روّجت لها «الحركة الصّدريّة»، لم يكن الشّيعة في لبنان مُهمَّشين دستوريًا ولا مُلغين من الخارطة السّياسيّة قبل وصول موسى الصّدر

الصّدر رأى الإندماج خنوعًا
كان الزّعماء التّقليديون، مثل كامل الأسعد وصبري حمادة، يمثّلون «الشّيعية اللّبنانيّة» المتصالحة مع فكرة الدّولة، والمندمجة في نسيجها عبر تحالفات عابرة للطّوائف. غير أنّ الصّدر، القادم من خلفيّة ثوريّة إيرانيّة، رأى في هذا الاندماج خنوعًا. ولتقويض هذا النّموذج، أحسن استخدام «سحر الغريب». فبلكنته الفارسيّة وعمامته السّوداء، لم يكن يبدو جزءًا من النّادي السّياسي اللّبناني التّقليدي، ما منحه هامش حركة واسعًا لتأسيس شرعيّة بديلة.
إنشاء المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى
وكانت خطوته الأولى والأخطر هي المأسسة الانفصاليّة عبر إنشاء «المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى» عام 1969. ورغم أنّ الشّيعة كانوا ممثَّلين في الدّولة، فإنّ الصّدر أراد لهم تمثيلًا كيانيًا مستقلًا عن الجسم الإسلامي السّنّي وعن الإدارة اللبنانيّة التّقليديّة، فخلق رأسًا للطائفة يوازي الرّئاسات الثّلاث، ويسحب المرجعيّة من دارات الزّعماء التّقليديين.

الإنتخابات المقصلة
وبعد إنشاء المؤسّسة، كان لا بدّ من تحطيم الأشخاص الذين يجسّدون ذاكرة الاندماج القديم. جاءت الانتخابات الفرعيّة في النّبطية عام 1974 لتكون المقصلة الّتي نصبها الصّدر لهذا الغرض. في تلك المواجهة، لم يكن الصّدر يصطدم بدولة ظالمة، بل بكامل الأسعد، رمز الشّيعيّة السّياسيّة التّقليدية. ومن خلال حشد الشّارع تحت شعار طاعة الإمام في مواجهة ولاء البك، حقّق انتصارًا كاسحًا بأحد عشر ألف صوت مقابل ستة آلاف. لم يكن هذا مجرّد فوز مرشّح وخسارة آخر، بل إعلانًا صريحًا لنهاية شرعيّة البيوتات الّتي ضمنت استقرار الجنوب لعقود، وبداية شرعيّة الولي الفقيه بوصفه حامل تفويض إلهي وشعبي يتجاوز الدّستور والأعراف. هكذا استبدل الصّدر الولاء للدّولة بالولاء للطّائفة، مؤسِّسًا قطيعة تاريخيّة مع إرث 1926.

تطييف الألم
لضمان استمراريّة هذه القطيعة، لجأ الصّدر إلى تطييف الألم. أخذ واقع التّفاوت التّنموي، وهو واقع كان قائمًا في مختلف الأطراف اللبنانية، من عكّار السّنيّة إلى جرود جبيل المارونيّة، وألبسه لبوسًا مذهبيًا خالصًا. أطلق حركة «المحرومين»، وأعاد قراءة التّراث الشّيعي، ولا سيما واقعة كربلاء، لا بوصفها حدثًا دينيًا للبكاء كما عند التّقليديّين، بل باعتبارها مانيفستو سياسيًا للثّورة على النّظام. أقنع الشّيعي بأنّ فقره ليس نتيجة سوء إدارة أو فساد قابلًا للإصلاح ضمن الدّولة، بل ثمرة اضطهاد تاريخي لا يرفعه إلّا «رجال الّرفض». وبهذا، شطب الصّدر بجرّة خطاب تاريخًا طويلًا من الامتيازات الدّستوريّة الّتي نالها الشّيعة منذ المتصرّفيّة، وقدّم لهم هويّة جديدة: هويّة الضحيّة الثّائرة العابرة للحدود بدل المواطن المندمج.

هندسة طائفة جديدة
هكذا، نجح موسى الصّدر في «هندسة» طائفة جديدة على أنقاض الطّائفة القديمة؛ طائفة لا تستمد شرعيّتها من الدّستور اللّبناني (كما كان يفعل الأسعد وحمادة)، بل تستمدّها من «قوّة الشّارع» و«عدالة القضيّة». لقد حوّل الشّيعة من «شركاء هادئين» في الصّيغة اللّبنانية، إلى «كتلة متفجّرة» تطالب بإعادة صياغة العقد الاجتماعي برمّته، ممهّدًا الطريق لانتقال الشّيعيّة السّياسيّة من «اللّبننة» الّتي أرساها دستور 1926، إلى «الأمميّة» التي ستكرّسها لاحقًا ولاية الفقيه.

في يوم انتخاب الصّدر رئيسًا للمجلس، حدثت لحظة رمزيّة تلخّص الانقلاب كلّه، حين أصرّ صبري بك حمادة، زعيم البقاع ورئيس مجلس النّوّاب، على تقبيل يد الصّدر علنًا

اليسار الشّيعي الخصم الأوّل
كان خصم الصّدر الأول هو «اليسار الشيعي» من شيوعيّين وبعثيّين وتنظيمات علمانيّة استقطبت، منذ أواخر الخمسينيّات، شبّانًا شيعة يهربون من قوقعة الأهل ومن إقطاع العائلات، ويبحثون عن كرامة شخصيّة وهويّة لا تُختزل في خدمة البك والبيت السّياسي. هؤلاء لم يثوروا على «لبنان» بقدر ما ثاروا على صورتهم داخله، صورة الجماعة الّتي تعيش في الهوامش وتُدار عبر وسطاء محليّين. هنا التقط الصّدر المعركة في مكانها الحقيقي. لم يكتفِ بتجريم الخصم بالشّتيمة الدّينيّة، بل بنى منافسة أيديولوجيّة كاملة. هاجم الحتميّة الاقتصاديّة الماركسيّة بوصفها تفسيرًا جزئيًا للتاريخ، ورفض أن يكون الفقر وحده مفتاح التّغيير، مؤكّدًا أن الثّقافة والروح والرّمز عوامل حاسمة أيضًا. هذا التّفكيك كان مقدّمة لإزاحة لغة الصّراع الطّبقي الّتي بدت لكثيرين «لغة كفر» أو لغة تهدّد النّظام، واستبدالها بلسان شيعي «محلي» قوامه مفردتا الحرمان ونزع الإرث، أي إنّ المشكلة ليست فقط توزيع ثروة بل نزع حق تاريخي. بهذه الحركة اللّغوية سحب الصدر شرعيّة اليسار من أساسها. هو لم ينافسه في المطالب فقط، بل في تعريف المشكلة وفي هويّة صاحبها. الفقير لم يعد فقيرًا ضمن طبقة. صار «محرومًا» ضمن جماعة، والميسور الجديد لم يعد حالة شاذّة عن سرديّة الفقراء، صار جزءًا من هويّة مشتركة تتجاوز الطّبقات من خلال رابط الحرمان كقدر جمعي.

تحويل الحرمان لهويّة
في هذه النّقطة بالذّات يبدأ تسييس «المحرومين» كأداة هندسية لا كتسمية اجتماعيّة. الصّدر لم يتعامل مع الحرمان باعتباره مشكلة تقنيّة تُحلّ بمشاريع، بل حوّله إلى هويّة سياسيّة مكتملة وسرديّة مظلوميّة. الحرمان، بعده، لم يعد وضعًا قابلًا للتّفاوض داخل منطق الدّولة، صار علامة تمييز. صار الشّيعي يشعر أنّه ليس مجرّد مواطن ناقص الخدمات، بل حامل ألم نوعي يفرّقه عن «اللّبناني الآخر». وهذه السّرديّة لا تنفصل عن النّموذج الكربلائي الّذي أعاد الصدر تشغيله. فكما أنّ كربلاء في القراءة التّقليديّة تاريخ هزيمة أخلاقيّة يُستبدل فيها الفعل بالبكاء، أعادها الصّدر لتصبح سياسة ممارسة، وديعة بيد الحاضر لردّ الظّلم وسحق الشّرّ. بهذا الرّبط، لم يعد الألم مادّة شفقة بل مادّة هويّة. ومن هنا تتشكّل «الهويّة الجامعة» الّتي يريد النّص إثباتها. هويّة لا تنطلق من العائلة والبيت والزّعامات، بل من سرديّة مشتركة تصنع الجماعة ككتلة واحدة.

تدمير الإقطاع الشّيعي
لكن هذه الهوية الجامعة كانت تحتاج إلى تدمير الإقطاع السياسي، لأنّ العائلات الشّيعيّة التّقليديّة مثل الأسعد وحمادة والخليل كانت، للمفارقة، أكثر «لبنانيّة» واندماجًا في النّظام القديم. كانت تعمل ضمن قواعد المحاصصة وتقبل بموقع «الشّيعي اللّبناني التّقليدي». ولكي يصنع الصّدر «الشّيعي الثّوري»، كان عليه أن يضرب هذا النّمط تحديدًا. لم يحاربه بالسّلاح في البداية، حاربه بسحب الشّرعية الأخلاقيّة والتّمثيليّة منه، وبإنشاء قاعدة اجتماعيّة بديلة من طبقة وسطى ناشئة ومهنيّين ومتعلّمين، ومن «الأغنياء الجدد» العائدين من أفريقيا الّذين امتلكوا المال وحُرموا من موقع داخل نظام البيوتات. هؤلاء وجدوا في الصّدر صوتًا ومعبّرًا ومؤسّسة، فتحوّلوا إلى رافعة سياسيّة تلتفّ على الإقطاع بدل أن تفاوضه. في الصّراع مع كامل الأسعد تجسّدت هذه المعركة كصراع بين عالمين، الأسعد الّذي ورث ازدراءه للنّاس عن أحمد بك الّذي تباهى بأنّه يورث ابنه «مليون بغل»، والّذي كان يحتقر لهجة الجنوب ويمنع ربطة العنق ليظلّ وحده «الحديث» والباقون فلاّحين، واجه في لقاء 1965 رجلًا لا يمكن احتواؤه، فانتهى اللّقاء بقطيعة صنعت عداءً ممتدًّا. الصّدر هنا لم يكن مجرّد رجل دين ينافس زعيمًا، كان مشروعًا ينقل النّاس من علاقة تبعيّة لبك «أفضل منهم» إلى علاقة طاعة لإمام يختصر تاريخهم ويعيد ترتيب كرامتهم.

مأسسة الإنفصال
ولأنّ تفكيك الإقطاع وحده لا يكفي لصناعة كتلة طائفية، جاءت الخطوة الحاسمة: مأسسة الانفصال عبر المجلس الإسلامي الشّيعي الأعلى عام 1969. هذه ليست خطوة «توحيديّة» للبنان كما يُروَّج كثيرًا، بل خطوة تأسيسيّة للكيانيّة الشّيعيّة الحديثة. قبل المجلس كان مفتي بيروت السّني يُعامَل كممثل مفترض للمسلمين جميعًا، وكان الشّيعة عاجزين عن التّمايز رسميًا أو التّفاوض من موقع مساواة. إنشاء المجلس أعلن استقلال الطّائفة في شؤونها وأوقافها ومؤسّساتها، وربطها رمزيًا وعمليًا بالمرجعيّة الشّيعيّة العالميّة، فصار للشّيعة رأس معترف به ومنصّة تفاوض مثلما لدى الموارنة بطريركيّة ولدى الدّروز شيخ عقل. هذه الخطوة فصلت الشّيعة مؤسّساتيًا عن السّنّة، وحوّلتهم من جماعة ضمن «الإسلام اللّبناني العام» إلى كيان مستقل داخل الدّولة. حتى اختيار مقر المجلس كعمارة ضخمة في ضاحية مسيحيّة مطلّة على بيروت لم يكن مجرّد تفصيل إداري، بل علامة انتقال من هامش الرّيف إلى مركز السّلطة وإعلان ثقة.

كان خصم الصّدر الأول هو “اليسار الشيعي” من شيوعيّين وبعثيّين وتنظيمات علمانيّة استقطبت، منذ أواخر الخمسينيّات، شبّانًا شيعة يهربون من إقطاع العائلات

إنتخاب الصّدر.. ولحظة رمزيّة
وفي يوم انتخاب الصّدر رئيسًا للمجلس، حدثت لحظة رمزيّة تلخّص الانقلاب كلّه، حين أصرّ صبري بك حمادة، زعيم البقاع ورئيس مجلس النّوّاب، على تقبيل يد الصّدر علنًا. هذه ليست حركة مجاملة. إنّها إعلان أنّ الهيبة انتقلت من البك إلى العمامة، وأنّ «لبنانيّة» الزّعيم التّقليدي لم تعد كافية لاحتكار تمثيل الجماعة.

هذا الصّعود المؤسّسي رافقته شرعيّة عابرة للحدود استثمرها الصّدر بذكاء في الدّاخل. في مجتمع تُقاس فيه القيمة بالحسب والنّسب، جاء الرّجل بنسب معلن إلى الإمام موسى بن جعفر، وبعمامة سوداء تدلّ على السّيادة النَّسبيّة، وبهيبة قم والنّجف، وبصلة بالمرجع الأعلى تمنح جماعة تشعر أنّها «أبناء غير مرغوب فيهم» عمقًا تاريخيًا ومظلّة رمزيّة. حتى غرابته الثّقافية، لهجته الفارسيّة وعربيّته الممزوجة، تحوّلت من مصدر ريبة إلى مصدر مهابة. ومع ذلك كان عليه أن يحلّ عقدة «الغريب» بجواز إيراني. فصاغ سرديّة العودة إلى جبل عامل، باعتبار أنّ أصوله عامليّة هاجرت بفعل القمع العثماني، وبذلك قدّم نفسه عربيًّا لبنانيًّا عاد إلى أهله، رابطًا بين العربي والفارسي بدل أن يُفجّر التّوتّر بينهما. وزاد هذا كلّه بميزة «حديثة» نادرة في رجال الدّين المحليّين، هي شهادته في القانون من جامعة طهران، أي معرفة بالدّولة الحديثة وقواعدها، ما جعله مقبولًا لدى مهنيّين وماليّين كانوا يتبرّمون من «بؤس» المؤسّسة الدّينيّة التّقليديّة.

رجال الدّين التّقليديّين والزّعامات في المواجهة
طبيعي أن يواجه هذا المشروع مقاومة من رجال دين تقليديين ومن الزّعامات. لقب «الإمام» نفسه أثار سخرية واتهامات بالغرور، لأنّ اللّقب في المخيال الشّيعي محجوز للأئمة الاثني عشر. بعضهم شكّك في تديّنه وذهب إلى وصفه باللاأدري. استُخدمت صورة له يخطب تحت صليب في كنيسة لتغذية الإيحاء بأنّه خرج عن الإيمان، وسفره إلى أوروبا عام 1963 صُوِّر كتدنيس في عالم «الكفّار». وعند تأسيس المجلس واجه معارضة شديدة ومقاطعة من أكثر من نصف كبار العلماء، مع شائعات عن تزوير الانتخابات عبر تنكّر علمانيّين بلباس رجال دين. هؤلاء تمسّكوا بالانكفاء وبـ«عبادة الحزن» ورأوا السّياسة تلوّثًا، فيما هاجم الصّدر هذا السّكون باعتباره تجميدًا لكربلاء وتحويلًا للحسين إلى دموع تمنح عفوًا أخلاقيًا مقابل التّخلّي السّياسي. أمّا الزّعماء فذهبوا إلى التّشويه الصّريح. كاظم بك الخليل دبّر عام 1966 فضيحة أخلاقيّة مفبركة عبر امرأة ادّعت علاقة معه، لاستغلال جاذبيّته ضده. كامل الأسعد وآخرون أثاروا الشّبهات عن كونه عميلًا للسافاك أو للأميركيّين. في العمق كان خوفهم أن يتحوّل الفلّاح المطيع إلى «رجل رفض»، وأن تتبدّل معادلة الطّاعة من بك يملك باب الدّولة إلى إمام يملك باب التّاريخ.

المنعطف العسكري
ومع اكتمال «الهويّة الجامعة» عبر اللّغة وسرديّة الحرمان وإعادة نمذجة سرديّة كربلاء، ومع اكتمال «الكيانيّة» عبر المجلس كمؤسسة انفصال ومساواة داخل الدّولة، جاء المنعطف العسكري بوصفه نتيجة منطقيّة لا قفزة مفاجئة. حين انكشف وجود حركة أمل إثر انفجار عرضي في البقاع، لم يتعامل الصّدر مع الأمر كفضيحة ميليشياويّة، بل حوّله إلى لحظة شرعنة دينيّة للتسلّح. استخرج من الحدث عريضة كتبها الجرحى بدمائهم يطلبون أن يكونوا «شهداء حسينيّين»، وبذلك منح القتال سندًا عقائديًا وربط الميليشيا بمخيال الشّهادة.

هنا يتحوّل «المتاولة» الّذين التصقت بهم صورة الفقر والمهانة إلى «رجال رفض» و«رجال انتقام»، ويتحوّل الصّمت التّاريخي إلى تكتيك مؤقّت على طريقة زين العابدين لا إلى مبدأ دائم. بهذه السّلسلة المتّصلة، من تفكيك الإقطاع إلى مأسسة الانفصال إلى تسييس الحرمان كسرديّة مظلوميّة وصولًا إلى عسكرة الكربلاء عبر أمل، تشكّل الكيان الشّيعي الحديث بوصفه كتلة طائفيّة موحّدة لا تُقاس علاقتها بلبنان بميزان الاندماج، بل بميزان القدرة على فرض الذّات داخل نظام حاول أن يستوعبها قبل الصّدر وبعده.

 

نقلًا عن فيسبوك

تنويه:
يندرج هذا المقال ضمن دراسة بحثيّة موسّعة ومعقّدة تهدف إلى إعادة قراءة الدّور التّاريخي والسّياسي للإمام موسى الصّدر وتفكيكه، بعيدًا عن السّرديّات العاطفيّة السّائدة. يسعى هذا المشروع البحثي إلى تحليل الجذور البنيويّة الّتي أسّسها الصّدر، والبحث في دوره “المهندس” للتّحوّلات الّتي طرأت على الطّائفة الشّيعيّة في لبنان، وعلاقتها الجدليّة بمشروع “ولاية الفقيه”.

Share

مواضيع مشابهة

05.02.2026

الجنوب بين الدّمار والأمل.. هل تغيّر الانتخابات المقبلة وجه المنطقة؟


Read more
04.02.2026

لا تسمحوا لـ”الياس وحسن” بتدمير التّغيير


Read more
04.02.2026

من أقنعك يا شيخ نعيم؟


Read more
‎© 2026 الدولة | جميع الحقوق محفوظة | مدعوم بحرية التعبير