صرخة مواطن شيعي: لا أريد راجماتٍ قرب منزلي

ظهر مواطن شيعي بقاعي بمقطع فيديو يتحدّث فيه عن وضع الحزب لراجمة في منزل مجاورٍ لمنزله، كاشفًا ما حصل معه حين ذهب ليتقدّم بشكوى ضدّ الحزب. إبن البقاع تجرّأ وتكلّم، لكن كم من مواطنٍ بقاعي أوجنوبي يكتم غضبه خوفًا أو تهيّبًا للموقف أو مراعاةً للمشاعر؟
أخطر ما في الأمر أنّ المواطن اللّبناني المتضرّر يجد نفسه عاجزًا عن اللّجوء إلى الدّولة اللّبنانية للشّكوى ضد أفرادٍ أو أحزاب، بعد تضرّر منزله بفعل القصف الإسرائيلي، وفي ظل واقع بات معروفًا يتمثّل بتخزين الأسلحة داخل الأحياء السّكنية وفي محيط المساجد. الأصوات المعترضة ليست قليلة، إلّا أنّ ما يصل إلى الإعلام يبقى محدودًا، فيما تُفضّل شريحة واسعة الصّمت. وغالبيّة هؤلاء من الشّيعة المتضرّرين، الّذين يختارون كبت وجعهم خشية أن يُفهم اعتراضهم على أنّه اصطفاف أو تماهٍ مع العدو الإسرائيلي. غير أنّ هذا الصّمت، مهما طال، لا يلغي حجم الألم ولا يبدّد المعاناة النّاتجة عن خسارة الأرواح ومصادر الرزق.
عضُّ على الجرح!
ففي تقرير بثّته قناة MTV اللّبنانية، كشف أحد المواطنين علنًا أمام الكاميرا عن الأضرار الّتي لحقت بمنزله نتيجة القصف، مشيرًا إلى أنه تلقّى شيكًا مصرفيًا كتعويض لا تتجاوز قيمته 250 دولارًا أميركيًا. وبعد انتقاله من منزله الأول إلى منزل آخر يملكه أيضًا، تبيّن له وجود شبكة اتصالات داخلية تمرّ داخل المسجد المحاذي للمنزل. وهي تفاصيل باتت تتكرّر في أكثر من منطقة، وأصبحت جزءًا من مشهد مألوف يعيشه عدد من المتضرّرين.
أخطر ما في الأمر أنّ المواطن اللّبناني المتضرّر يجد نفسه عاجزًا عن اللّجوء إلى الدّولة اللّبنانية للشّكوى ضد أفرادٍ أو أحزاب، بعد تضرّر منزله بفعل القصف الإسرائيلي
دولة على مين؟!
المفارقة المؤلمة أنّه، حين توجّه المواطن – العسكري السّابق- إلى المحقّقين للتّقدّم بشكوى والتّنبيه إلى الخطر المحدق به وبمنزله وعائلته، جاءه الجواب بعدم قبول الشّكوى.
مصدر رسمي معنيّ رفض التّعليق على الحادثة، وذلك بعد التّواصل معه لسؤاله عن حقيقة ما حدث.
هذا المشهد يعيدنا إلى الإشكاليّة التي لطالما طُرحت في النّقاش العام، والمتّصلة بما يُعرف بالدّولة العميقة في لبنان، والّتي هي، بلا ريب، دولة ممانعة، تعمل وفق توازناتٍ سياسيةٍ وأمنيةٍ تخدم مصالح قوى نافذة، وفي مقدمتها الثّنائي الشّيعي. وفي ظل هذا الواقع، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن بناء دولة يُحرم فيها المواطن من أبسط حقوقه، أي حق مقاضاة الآخرين واتخاذ صفة الادعاء، أو اللّجوء إلى القضاء في نزاع مع أفراد أو جماعات، سواء كان محقًا أم غير محق؟
قانون على ناس وناس!
فالحق في الوصول إلى العدالة حقٌ مكفول دستوريًّا لجميع المواطنين، بمعزل عن أحقيّة قضاياهم من عدمها. غير أنّ المأزق القائم يتمثّل في وجود أطراف في لبنان تبدو عمليًا خارج إطار المساءلة، إذ يتعذّر على القضاء استدعاؤها أو الاستماع إلى إفاداتها، كما يصعب ملاحقتها قانونيًا. هذا الواقع ينعكس مباشرةً على مبدأي المساواة والعدالة، ويقوّض الثّقة بالدّستور، ليصبح القانون مطبّقًا بانتقائيّة، حيث يخضع له بعض المواطنين فيما يُستثنى منه آخرون.
مكانك راوح!
هذا المواطن ظهر بفيديو جديد يعتذر فيه من الشّهداء ومن السّيّد حسن نصرالله، لكنّه لم يتراجع عن المعلومات الّتي أدلى بها، ما يشير إلى الضّغط الكبير الّذي تقع تحته هذه البيئة.
فإلى متى ستبقى معاناة شريحة واسعة من الشّيعة اللّبنانيّين معلّقة على مسار المفاوضات الأميركيّة–الإيرانيّة، حيث يُرهن الاستقرار اليومي للنّاس بنتائج لا يملكون التّأثير فيها؟ بين احتمال تسويات تمنحهم هدنة مؤقتة، وسيناريوهات تصعيد قد تعيد إنتاج الخسارات نفسها، يبقى مصيرهم مرتبطًا بعوامل خارج إرادتهم، فيما يستمرّ ثمن الانتظار في البيوت والأرواح والأرزاق.




