نهاية “الثنائي الشيعي”: برّي ينأى برأسه

يبدو أنّنا نشهد نهاية “الثنائي الشيعي”. فقد اختار الرئيس نبيه برّي أن ينأى برأسه عن ماكينة حصد الأرواح البشرية والسياسية التي بدأت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب الحرب على إيران وصولاً إلى إسقاط النظام.
ليس تفصيلاً ما جرى داخل مجلس الوزراء صباح الإثنين، بل لحظة سياسية قد تكون من الأكثر حساسية منذ نشوء “الثنائي الشيعي”. فموافقة وزيري حركة أمل على قرار حكومة الرئيس نواف سلام بحظر النشاط الأمني والعسكري لحزب الله، لا يمكن قراءته في لحظة الحرب إلى كخيار سياسي مدروس: نبيه برّي اختار الوقوف إلى جانب الدولة والانفصال العلني الأوّل عن حلفه مع حزب الله.
للمرة الأولى منذ عقود، يظهر تمايز واضح بين الحركة والحزب في ملف يمس جوهر دور حزب الله، أي سلاحه ووظيفته الأمنية. طوال سنوات، كان برّي يلعب دور الوسيط الحامي: يحفظ للحزب غطاءً داخل النظام، ويمنح الدولة قناة تواصل مع واقع القوة على الأرض. هذا التوازن هو الذي أنتج “الثنائي الشيعي”. لا بوصفه تحالفاً انتخابياً فحسب، بل كصيغة حكم غير مكتوبة داخل الطائفة الشيعية وفي الدولة معاً.
حماية حركة أمل في لحظة “التغيير”
لكن لحظة الحرب الأخيرة بدّلت المعادلة. فقرار عسكري يتجاوز الدولة ويضع لبنان في مواجهة إقليمية ودولية واسعة لم يعد مجرد خيار سياسي يمكن امتصاصه بالمواقف أو التبريرات. أمام خطر انهيار الدولة نفسها، بدا أن برّي انتقل من موقع الحماية إلى موقع الاحتواء: حماية الطائفة عبر الدولة، لا حماية الحزب عبر الطائفة. وحماية منصبه ومكتسباته هو وحركة أمل داخل النظام، في لحظة تغيير الأنظمة في المنطقة.
موافقة وزيري أمل تعني عملياً أن الحركة لم تعد مستعدة لتحمّل تبعات قرار لا تملكه. إنها رسالة مزدوجة: إلى الداخل الشيعي بأن الدولة ليست عدواً، وإلى الخارج بأن الطائفة ليست كتلة واحدة خلف خيار الحرب. بهذا المعنى، يصبح القرار أشبه بإعلان فكّ اشتباك سياسي أكثر منه إجراءً حكومياً.
التحالف بقوّة الدم والقتل
التحالف بين حزب الله وحركة أمل لم يكن قدرياً. هو نتاج مسار طويل بدأ بصدامات دامية في الثمانينيات، حين نشأ الحزب على دماء واغتيالات كوادر وعناصر حركة “أمل” في “حرب الأخوة” في ثمانينات القرن الماضي، واغتيال كوادر شيعية أخرى من يساريين وشيوعيين.
ثم فرضت الضرورات الإقليمية والداخلية تسوية أنتجت شراكة قوامها توزيع الأدوار: الحزب يمتلك القوة العسكرية، والحركة تمسك بالمؤسسات الدستورية. استقر هذا التوازن طالما أن القرار الإقليمي واحد والبيئة الداخلية محتملة.
اليوم يبدو أن هذا الأساس نفسه يتصدع. فالحزب يتصرف كجزء من محور إقليمي مفتوح المواجهة، بينما الدولة اللبنانية مهددة بالعزلة والانهيار. عند هذه النقطة يصبح على برّي الاختيار بين استمرار الغطاء أو إنقاذ ما تبقى من النظام الذي يشكل مصدر قوته السياسية. اختار الثانية.
هل تمّ تهديد برّي؟
الأهم أن التحول لا ينفصل عن السياق الإقليمي. أي اهتزاز عميق في موقع إيران سينعكس مباشرة على بنية الحزب ودوره. وحين يضعف المركز الإقليمي الذي نشأ الحزب في ظله، تعود القوى المحلية إلى قواعدها الأصلية: الدولة والطائفة والمصالح الداخلية. هنا تحديداً يصبح تموضع حركة أمل مفهوماً. فهي في جوهرها حزب سلطة لبناني قبل أي شيء آخر.
لا يعني ذلك نهاية فورية للعلاقة بين الطرفين، لكنّه بداية مسار مختلف. فـ”الثنائي” لم يكن مجرد تفاهم سياسي، بل نظام إدارة للطائفة ولجزء من الدولة. وعندما تبدأ إحدى ركائزه بالتموضع خارج خيار الحرب، تكون المعادلة قد دخلت مرحلة جديدة.
إقرأ أيضاً: جنون الحزب: أعلن الحرب على ترامب والعرب والعالم



