الضاحية تفقد ثلثيها: 250 ألفاً فقط؟

مع موجة النزوح الأخيرة من الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت، عادت إلى التداول أرقام مبالغ فيها حول حجم الطائفة الشيعية في العاصمة، وفي مقدّمها مقولة إنّ عدد الشيعة يتجاوز “المليون” في الضاحية. لكنّ الأرقام الميدانية للنزوح نفسه تقدّم مؤشراً مختلفاً يستحق التوقف عنده: فهل فقدت الضاحية ثلثي سكانها؟
رصد – “الدّولة”
منذ اندلاع المواجهات على الحدود الجنوبية في 8 أكتوبر 2023، نزح من قرى الشريط الحدودي ما يقارب 100 ألف شخص. ومع التصعيد الأخير والغارات التي طالت مناطق واسعة من الجنوب والبقاع والضاحية، بلغ عدد النازحين الجدد نحو 450 ألف شخص بحسب تقديرات حكومية وأممية. أي أنّ مجموع من شملتهم حركة النزوح الكبيرة خلال الفترة الأخيرة يقارب نصف مليون إنسان.
وزيرة الشؤون: 112 ألف نازح
المعطى الأكثر دلالة أنّ 112 ألفاً فقط من هؤلاء يقيمون في مراكز إيواء رسمية فتحتها الدولة والبلديات والمدارس، بحسب وزارة الشؤون الاجتماعية. أما البقية، أي الغالبية الساحقة، فقد توزّعوا بين منازل يملكونها في مناطق أخرى، أو بيوت أقارب، أو شقق استأجروها مؤقتاً في بيروت وجبل لبنان والشمال ومناطق مختلفة من البلاد.
هذه الأرقام تطرح سؤالاً بسيطاً: من أين تأتي رواية “المليون شيعي” في ضاحية بيروت الجنوبية؟
فلو كان عدد الشيعة في الضاحية يتجاوز فعلاً هذا الرقم بكثير، لكان من المفترض أن تعكس موجة النزوح الحالية عدداً أكبر بكثير من هذا الحجم الديموغرافي. خصوصاً أنّ المناطق التي تعرّضت للقصف أو الإنذارات هي تحديداً المناطق ذات الكثافة الشيعية الأعلى في البقاع والجنوب والضاحية.
مع موجة النزوح الأخيرة عادت إلى التداول أرقام مبالغ فيها حول حجم الطائفة الشيعية في العاصمة، وفي مقدّمها مقولة إنّ عدد الشيعة يتجاوز “المليون” في الضاحية
تصخيم الرقم سياسياً
الأرجح أنّ تضخيم الأرقام لم يكن يوماً مجرد خطأ إحصائي، بل جزءاً من خطاب سياسي يهدف إلى تكريس صورة قوّة ديموغرافية كاسحة تبرّر السيطرة السياسية والعسكرية. غير أنّ الوقائع الميدانية، من الانتخابات إلى النزوح، غالباً ما تكشف فجوة واضحة بين الرقم المتخيَّل والرقم الواقعي.
النزوح الحالي لا يقدّم إحصاءً دقيقاً بالطبع، لكنه يضيء على حقيقة أساسية: لبنان بلد صغير، وطوائفه جميعاً أقل عدداً بكثير مما توحي به الخطابات التعبوية. وبين الأرقام الواقعية والأساطير السياسية، تبقى الحقيقة الديموغرافية أقل صخباً… لكنها أكثر عناداً.
250 ألفاً فقط
فلو اعتبرنا أن هناك 100 ألف نزحوا من بقية الجنوب، ومثلهم من مناطق البقاع التي طلبت إسرائيل إخلاؤها، لن يبقى أكثر من 250 ألفاً خرجوا من الضاحية. ما يعني أن عدد سكانها تراجع من رقم يتراوح بين 500 و700 ألف قبل 8 أكتوبر، إلى 250 ألفاً فقط عادوا إليها ويسكنونها قبل الأسبوع الماضي. معظمهم استأجروا أو اشتروا بيوتاً خارجها خلال العامين الماضيين. أو ربما هاجروا.
فهل فقدت الضاحية ثلثي أهلها في العامين الأخيرين؟ وهل فقد الشيعة نصف مليون من سكّان العاصمة؟
إقرأ أيضاً: نحن والحزب: وقائع وهم قاتل

