خيار الدولة الطويل… أو خراب الحزب السريع

بين خيار الدولة وخيار السلاح غير الشرعي يقف لبنان اليوم أمام مفترق مصيري. ما جرى خلال العامين الماضيين أثبت أن السياسة والدبلوماسية، مهما طال طريقهما، أقل كلفة بما لا يُقاس من مغامرات السلاح التي تدفع البلاد إلى الدمار.
سردية الحزب بعد حرب الإسناد
خيار الدولة السياسي الدبلوماسي ألف رحمة من خيار الحزب التدميري للأرض والإنسان. فمنذ ما سُمّي بحرب الإسناد، يطلّ علينا حزب الله وجهابذته بسردية واحدة: لو لم نفتح النار ونبادر إلى المواجهة، لكانت إسرائيل قد أعدّت نفسها لهذه المعركة.
لكن الوقائع اللاحقة نسفت هذه الرواية. فبعد حرب الستة والستين يوماً، وما تلاها من اتفاق لوقف النار وقّع عليه حزب الله ووافق على بنوده، استمرت إسرائيل في استهداف الحزب. أي أن منطق “الردع” الذي رُوّج له لم ينجح في منع الاستهداف، ولم يحمِ لبنان من استمرار التصعيد.
والأخطر أن هذه السردية تستمر في تبرير الحرب وكأن نتائجها لم تكن دماراً واسعاً وقتلاً وتهجيراً، فيما الحقيقة أن لبنان دفع ثمناً باهظاً نتيجة قرار لم تتخذه الدولة.
الدولة تقرّر… والحزب يراوغ
مع قيام سلطة لبنانية جديدة، برئاسة جمهورية وحكومة أخذت على عاتقها اتخاذ قرارات واضحة تقضي بوجوب حصر السلاح بيد الدولة، جنوب الليطاني وشماله، بدا وكأن هناك فرصة حقيقية لإعادة الاعتبار لمنطق الدولة.
غير أن حزب الله استمر في المراوغة. فبدلاً من الالتزام بقرارات الدولة، مضى في الالتفاف عليها. بل إن قيادة الحزب، وفق الوقائع المعلنة، أصبحت عملياً في يد ضباط من الحرس الثوري الإيراني، الذين يقررون إدارة الحزب سياسياً وعسكرياً وتنظيمياً.
وفي الوقت نفسه، بدأ الحزب مجابهة قرارات الحكومة والدولة، مع تحميلها المسؤولية في سردية تقول إنها عاجزة عن إيجاد الحلول لردع إسرائيل، وكأن الحزب نفسه نجح في ردعها خلال حرب الستة والستين يوماً، أو كبدها خسائر استراتيجية، وليس هو من استجلب الاحتلال والدمار والقتل والتهجير.
السياسة قد تكون بطيئة، والدبلوماسية قد تحتاج وقتاً طويلاً، لكنها في النهاية تبقى الطريق الوحيد القادر على إنقاذ البلاد من دوامة الحروب المفتوحة
عام ونصف من العجز والمغامرة
على مدى سنة ونصف، أطلق حزب الله العنان لخطابه تجاه الدولة، وأعطاها – نظرياً – فرصة سياسية كي تسترجع النقاط الخمس أو تعيد الإعمار.
لكن المفارقة أن الحزب نفسه بات عاجزاً كلياً عن الرد على عمليات استهداف قادته وعناصره اليومية. هذا العجز العسكري يقابله استمرار في الخطاب التصعيدي، الذي لا يغيّر في ميزان القوى شيئاً، لكنه يزيد من كلفة الحرب على اللبنانيين.
والنتيجة أن الحزب لم ينجح في حماية بيئته ولا في تحقيق ردع فعلي، بينما بقيت القرى والمدن اللبنانية تدفع الثمن الأكبر.
لبنان يدفع ثمن حرب إيران
بلغت المغامرة ذروتها مع قرار إسناد إيران في حربها، وهو قرار اتخذه الحرس الثوري وفتح على لبنان باب جهنم.
كانت النتيجة مأساوية: أبناء الجنوب والبقاع وكل لبنان يدفعون الثمن، وطائفة كاملة تُقتلع من أرضها وبيوتها، لتفترش الشوارع أو تبحث عن ملاذ مؤقت. قرى تُهجر، وبيوت تُدمّر، وأرض تتحول إلى أرض محروقة.
هذه ليست سياسة دفاعية، ولا استراتيجية ردع. إنها مقامرة بمصير مجتمع كامل، يدفع ثمن قرارات لا يشارك في صنعها.
الخيار الواضح: الدولة لا السلاح
أمام هذه المشهدية القاتمة، يصبح القول واضحاً: مع الدولة، ومع الخيار السياسي، حتى لو طال زمنه سنوات.
فالسياسة قد تكون بطيئة، والدبلوماسية قد تحتاج وقتاً طويلاً، لكنها في النهاية تبقى الطريق الوحيد القادر على إنقاذ البلاد من دوامة الحروب المفتوحة.
أما خيار حزب الله بالسلاح، فقد أثبت مرة بعد مرة أنه طريق إلى الدمار. لذلك، لا ألف مرة، بل ألف ألف مرة: نعم لخيار الدولة، ولا – ولو ليوم واحد – لخيار السلاح الذي يدمر الأرض والإنسان.
إقرأ أيضاً: مجلس التمديد: كي يوقّعوا “السلام”




