لسنا مع العدو… بل مع لبنان

منذ اندلاع ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، تحوّل أي اعتراض على خيارات حزب الله إلى تهمة جاهزة: إمّا أن تكون مع الحزب أو مع العدو. لكن الحقيقة أبسط من هذا الابتزاز السياسي والأخلاقي، وأكثر تعقيداً في الوقت نفسه.
الاعتراض ليس خيانة
منذ بداية حرب الإسناد وحتى اليوم، كلما انتقدنا خيارات حزب الله وقراراته وارتباطاته ومغامراته وحروبه التي لا تنتهي، يظهر من يتهمنا فوراً: “يعني صرت مع العدو ضد المقاومة؟”.
ويظهر أيضاً من يقفز إلى الرسائل الخاصة ليبدأ حفلة تخوين بلا أي نقاش. لا يعرفوننا، ولا تجمعنا بهم معرفة أو صداقة، لكنهم يتصرفون وكأنهم مكلفون بمهمة: تخوين أي صوت معترض أو معارض.
المفارقة أن النقاش يكاد يكون مستحيلاً. فبدلاً من الحوار، تُرفع فوراً لافتة التخوين. وكأن الاعتراض السياسي جريمة، وكأن التفكير خارج السردية الرسمية خيانة وطنية.
هذه العقلية لا تحمي المقاومة، بل تقتلها. لأن المقاومة الحقيقية لا تخاف من النقاش، ولا تحتاج إلى جيوش إلكترونية أو حراس تخوين لحمايتها.
نحن من بيت مقاوم
لمن يوزّعون صكوك الوطنية والمقاومة، نقول بوضوح: نحن من بيت مقاوم.
قدّمنا شهيداً في صفوف *المقاومة الوطنية اللبنانية* قبل أن يولد حزب الله بثلاث سنوات. مقاومة وطنية لبنانية، بعيدة عن لوثة الطائفية والتبعية والارتباطات الخارجية والصراعات المذهبية.
دفعنا أثماناً باهظة لأننا رفضنا ربط مقاومتنا بأنظمة القمع والاستبداد. تلك الأنظمة التي لا ترى في المقاومة إلا ورقة ضغط وابتزاز، تستخدمها عند الحاجة لخدمة مصالحها الخاصة، ولو كان الثمن مصلحة لبنان الوطنية.
مقاومتنا لم تخرج منها عميل واحد. لم تتحول إلى أداة في يد نظام خارجي، ولم تصبح وظيفة سياسية أو طريقاً إلى السلطة.
كانت مقاومة وطنية، بوصلة واحدة: لبنان.
منذ اندلاع ما سُمّي بـ”حرب الإسناد”، تحوّل أي اعتراض على خيارات حزب الله إلى تهمة جاهزة: إمّا أن تكون مع الحزب أو مع العدو
مقاومة أم شعار؟
اللافت أن كثيرين ممن يزايدون اليوم باسم المقاومة لم يمرّوا في حياتهم قرب شيء اسمه مقاومة.
بعضهم اكتشفها فجأة، وبعضهم يشجّعها من بعيد. لكنهم يتصرفون وكأنهم أوصياء عليها، يوزّعون شهادات الوطنية والتخوين كما لو كانت ملكهم الخاص.
هؤلاء لا يعرفون أن المقاومة ليست شعاراً، ولا موضة سياسية، ولا مهنة.
المقاومة تجربة قاسية، دفع أصحابها أثماناً حقيقية: في الدم، وفي السجون، وفي المنافي، وفي حياتهم الشخصية.
ولهذا بالتحديد، لا نقبل أن تتحول المقاومة إلى أداة للتشبيح السياسي أو إلى سلّم للتسلق نحو السلطة.
مقاومة وسيلة لا غاية
بالنسبة إلينا، المقاومة كانت دائماً *وسيلة نبيلة لتحقيق هدف نبيل*، وليست هدفاً بحد ذاته.
لم تكن يوماً مهنة، ولا هوية أبدية، ولا مشروعاً مفتوحاً بلا نهاية. ولم تكن سبباً للتضحية بالبلد والشعب من أجل استمرارها.
المقاومة وُجدت لتدافع عن الوطن وعن الناس في مواجهة الاحتلال والظلم.
لم تُخلق لتقاتل خارج الحدود دفاعاً عن نظام ظالم هنا، أو لتثأر لمقتل مرشد نظام استبدادي توسعي هناك. ولم تُخلق لتزجّ بلداً كاملاً في حروب لا علاقة له بها.
حين تتحول المقاومة إلى مشروع دائم للحرب، تصبح عبئاً على الوطن الذي وُجدت أصلاً لحمايته.
مقاومة لبنان أولاً
نحن لم نقاوم إسرائيل فقط. قاومنا أيضاً كل ما حاول استخدام لبنان ساحة لصراعات الآخرين.
واجهنا الاحتلال الإسرائيلي، وواجهنا أيضاً نظام البراميل المتفجرة. ولهذا دفعنا أثماناً مضاعفة، ومن كل الاتجاهات.
لكننا، رغم ذلك، بقينا على قناعة واحدة: أن المقاومة الحقيقية لا تكون إلا من أجل لبنان.
أما تحويلها إلى أداة في مشروع إقليمي، أو إلى ذريعة لفرض الوصاية على بلد كامل، فليس مقاومة.
ولذلك نقول بوضوح لمن يلوّحون بتهمة التخوين كلما سمعوا رأياً مختلفاً:
فشرتوا تخوّنونا.
*نقلاً عن فيسبوك




