“مانيفستو” المبادىء الوطنية والأخلاق الإنسانية

لم تكن بيئة حزب إيران في لبنان تتوقع أن تظهر داخل الوسط الشيعي نفسه أصوات معارضة بهذا الكمّ، وبهذا المستوى من الوعي، وبهذه القدرة على قراءة الواقع ونقده بعمق وتجرد. وهي تجد نفسها اليوم أمام حالة اعتراضية لا تملك القدرة على خنقها كما كانت تفعل في الماضي القريب.
هذه البيئة التي كانت منشغلة يوميا بأسطورة “الانتصارات الإلهية”، وبترف المال السهل المتدفق من اقتصاد السلاح والوصاية والارتهان، ترى نفسها اليوم على أرصفة الطرقات، وفي المدارس التي افترشت عائلاتها أرضها هربا من الموت والخراب.
البيئة نفسها التي كانت تتهيأ عند كل إطلالة لحسن نصر الله، صارت اليوم ترتجف على وقع تهديدات أفيخاي أدرعي، فتخرج من بيوتها مذعورة، زرافات ووحدانا، خوفا من أن تُدفن تحت الأنقاض في قرى ومدن وضاحية حوّلها حزب إيران إلى ما يشبه جمهورية مستقلة، تأتمر بأوامره وتخضع لمشيئته.
وبين أبناء هذه البيئة وبناتها وأمهاتها، ثمّة مئات وآلاف العائلات العادية التي دفعت الثمن لأنها آثرت الصمت طويلا، وقدّمت السلامة الشخصية على الكرامة، والخوف على قول الحقيقة.
هذه الفئة، التي اعتادت أن تردّد الشعارات الجاهزة، وتكرّر الخطاب المعلّب كالببغاوات الرمادية، تجد نفسها اليوم تدفع ثمن حرب لا قرار لها فيها، ولا مصلحة لها بها، ولا قدرة لها على وقفها.
هنا، يحق لنا، نحن المقاومون الحقيقيون للمشروع الإيراني في منطقتنا العربية، أن نتساءل:
ماذا لو أن هذه الأغلبية الشيعية الصامتة رفعت صوتها منذ عام 2000، بعد تحرير الجنوب، ورفضت معنا استمرار حزب الله في الاحتفاظ بدور عسكري وأمني خارج الدولة؟
ماذا لو أنها لم تترك قلّة من الأحرار تواجه وحدها آلة الترهيب والتخوين؟
المعركة اليوم ليست مع الطائفة الشيعية بحد ذاتها، ولا مع الناس العاديين الذين خُنقوا بالخوف والسطوة، بل مع مشروع دمّر الشيعة قبل غيرهم، وخطف لبنان باسمهم
لعلّ المشهد اليوم كان مختلفا تماما، ولعلّ لبنان لم يكن ليصل إلى هذا القدر من الانهيار والخطف والتدمير.
نحن الذين واجهنا حزب الله بوضوح وصراحة، وقُلنا منذ البداية إن سلاحه لن يحمي لبنان بل سيبتلعه، كنا نسمع في السرّ من كثيرين: “نحن معكم، ونوافقكم على كل ما تقولونه، لكننا لا نستطيع أن نفعل ما تفعلونه.”
وقد وصلتنا، على مدى سنوات، رسائل واتصالات لا تُحصى تؤكد أن قلوب هؤلاء كانت معنا لكن خوفهم وجبنهم كان علينا.
يوم وقفنا في وجه اجتياح بيروت والجبل، ويوم اعترضنا على القتل والترهيب والاستقواء على الناس، ويوم رفضنا تحدّي حزب الله للحكومات وفرض إرادته وأجندة أسياده في إيران بقوة السلاح.
ويوم وقفنا مع الشعب السوري البطل ضد السفّاح، وكتبنا وقّعنا على البيانات الرافضة لتورط حزب الله في الجريمة السورية.
لقد دفعنا ثمن هذا الموقف المبدئي والأخلاقي كثيرا، تشهيرا وتهديدا وعزلا واستهدافا بشتى الوسائل.
ومع ذلك لم نتراجع، ولم نهن، ولم نساوم على قول الحقيقة.
واليوم، بعدما وصلت الأمور إلى هذا الدرك، لا يزال بعض المأخوذين بعبادة السلاح والعنف والإرهاب يواصلون الشتيمة والتهديد والتخوين، كأنهم لم يتعلموا شيئا من الخراب الذي حلّ ببيئتهم وبالبلد كله.
لهؤلاء نقول بوضوح:
لن تكون بعد اليوم حصانة سياسية أو أخلاقية أو شعبية لمن حوّل قرانا ومدننا إلى رهائن في مشروع إيران.
لا مساومة على سيادة الدولة؛
لا تساهل مع من يجرّ لبنان إلى الدمار؛
ولا سكوت بعد الآن عن تحويل الناس إلى وقود في حروب لا تخدم إلا أوهام السلاح وعبادة التنظيم.
المعركة اليوم ليست مع الطائفة الشيعية بحد ذاتها، ولا مع الناس العاديين الذين خُنقوا بالخوف والسطوة، بل مع مشروع دمّر الشيعة قبل غيرهم، وخطف لبنان باسمهم، وآن أوان محاسبته سياسيا وأخلاقيا وتاريخيا.
نقلاً عن صفحة الكاتب على فيسبوك




