مي شدياق تفضحهم: الفجور دليل هزيمتهم

“إن لم يكن لكم دين، وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارًا في دنياكم”. الإمام الحسين
لبنان اليوم ليس مجرد ساحة صراع مسلح، بل مسرح لانهيار سياسي وأخلاقي واجتماعي، فالدولة والمجتمع يواجهان أزمات متداخلة ومستدامة.
القرى الحدودية أُفرغت من أهلها على وقع انذارات افيخاي ، والنزوح أصبح جزءًا من الروتين اليومي، والخوف من الحرب و الصواريخ والإخلاءات يفرض إيقاع حياة جديدة.
التناقض بين الانكشاف الإنساني وسلوك التشويه
ضمن هذا المشهد، تتقدّم (بيئة محور الممانعة)، وتحديدًا بيئة حزب الله، بوصفها الفاعل الأكثر حضورًا وتأثيرًا، لا فقط في إدارة المواجهة العسكرية، بل في ضبط الفضاء الداخلي. غير أن هذا الحضور لا يترجم استقرارًا أو حماية، بل يُنتج تناقضًا فادحًا: بيئة تعيش أقصى درجات الانكشاف الإنساني، فيما ينشغل جزء من خطابها وسلوكها اليومي بحملات التنمّر والتشويه. المفارقة القاسية أن من يقبعون اليوم في خيم النزوح، وعلى الأرصفة، وتحت الجسور، وفي مدارس مكتظة بالمهجّرين، يجدون متّسعًا من الوقت والطاقة لشن حملات ممنهجة تستهدف الإعلامية مي شدياق.
استهداف الإعلام الحر في لحظة الكارثة الوجودية
صور تنتقص من إنسانيتها، وعبارات تحريضية، وسرديات تخوينية، تُضخ يوميًا في الفضاء الرقمي، فقط لأنها تتخذ موقفًا سياسيًا معارضًا لحزب الله. هذا السلوك لا يمكن فصله عن البنية الخطابية المستهلكة التي تحكم هذه البيئة؛ بنية ترى في الاختلاف تهديدًا، وفي النقد خيانة، وفي الإعلام الحر خطرًا يجب احتواؤه. لكن الأخطر أن هذه الحملات تأتي في لحظة يُفترض أن تكون مكرّسة لمواجهة كارثة وجودية: حرب إسرائيلية على لبنان، وضحايا يسقطون يوميًا، ودمار يتمدّد بلا أفق واضح. هنا تنكشف الأزمة على مستواها الأعمق: ليس فقط عجزًا عن إدارة الحرب، بل عجزًا عن ترتيب الأولويات.

مي شدياق كمعيار كاشف لهشاشة المنظومة
حين يصبح التنمّر على صوت إعلامي أولوية يومية، فيما الناس تُقتل على الطرقات وتُهجَّر من بيوتها، فإننا أمام خلل بنيوي في الوعي السياسي، لا مجرد انفعال عابر. مي شدياق، في هذا السياق، تتحوّل إلى أكثر من هدف لحملات التشويه؛ تصبح معيارًا كاشفًا. كل صورة مسيئة تُنشر بحقها، وكل حملة تُدار ضدها، لا تضعفها بقدر ما تفضح من يقف خلفها، إذ يظهر التناقض الصارخ بين ادعاء (المقاومة) والانغماس في ممارسات تقوّض أبسط القيم الإنسانية. فالقوة، في معناها السياسي الحقيقي، لا تُقاس بقدرة السلاح على فرض وقائع، بل بقدرة المجتمع على حماية كرامة أفراده، حتى المختلفين منهم.
المواجهة الأخلاقية في مقابل سياسة القطيع
وعندما تعجز بيئة ما عن تحمّل رأي معارض دون اللجوء إلى التشويه، فهي تعلن، ضمنيًا، هشاشتها. (إني لم أخرج أشِرًا ولا بطِرًا، ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي) — الإمام الحسين. بهذا المعنى، يبدو موقف مي شدياق امتدادًا لفكرة المواجهة الأخلاقية: مواجهة لا تُخاض بالسلاح، بل بالكلمة الواضحة، وبالتمسّك بالكرامة، وبالرفض الصريح للانخراط في منطق القطيع. وهذا تحديدًا ما يجعلها هدفًا دائمًا، لأن وجودها يربك معادلة قائمة على الصوت الواحد. في المقابل، كل حملة تنمّر عليها تتحوّل إلى دليل إضافي على الانحدار.
انحدار الخطاب وإهدار الطاقات في معارك وهمية
انحدار خطابي حين يُستبدل النقاش بالشتيمة، وانحدار سياسي حين تُهدر الطاقة في معارك وهمية، وانحدار إنساني حين يُنتقص من كرامة فرد، فيما المجتمع بأكمله يرزح تحت وطأة المأساة. اليوم، بينما يسقط الضحايا يوميًا بفعل الحرب الإسرائيلية على لبنان — وهي حرب لا يمكن فصل أسبابها عن خيارات حزب الله وسياقاته — ينكشف عبث هذا السلوك أكثر من أي وقت مضى. فبدل أن تتجه البوصلة نحو مساءلة الواقع أو تخفيف معاناة الناس، تُهدر في ملاحقة صوت إعلامي مستقل وأصوات معارضة لحزب الله من مختلف المكونات اللبنانية.
عجز التعايش مع الحرية وحقيقة المناعة
في المحصلة، لا تبدو الإعلامية مي شدياق، أو أي معارض للحزب، في موقع الدفاع، بل في موقع يكشف عمق الأزمة اللبنانية: أزمة سلطة، وأزمة خطاب، وأزمة أولويات. وكلما اشتدّت الحملات المسعورة على مي شدياق، ازداد وضوح الحقيقة التي تحاول هذه الحملات طمسها: أن الصراع لم يعد فقط مع الخارج، بل داخل بنية سياسية عاجزة عن التعايش مع الحرية. وهنا تتحدّد المعادلة بوضوح: حين ينشغل المنهكون بالحرب بالتنمّر بدل مواجهة واقعهم، لا يعود السؤال عن قوة خصومهم، بل عن حقيقة ما تبقّى من مناعتهم.
إقرأ أيضاً: حين يُقفل طريق القدس… ويُفتح باب الداخل




