لم يتبقَى من المقاومة سوى مجازية الإسم

في اللحظات التاريخية الفاصلة، تفقد الكلمات بريقها المعتاد وتتحول من مفاهيم حية إلى مجرد هياكل لغوية فارغة. هذا هو الحال اليوم حين نتحدث عن المقاومة في سياقها اللبناني الراهن، فقد إستهلكت الممارسة السياسية والميدانية كل رصيد اللفظ، حتى لم يعد يربطنا به سوى مجازية الإسم، بينما الواقع يضجّ بحقائق مغايرة تماماً لما توحي به الكلمة، حقائق تجد جذورها ومحركها في العاصمة طهران.
التبعية العقائدية: عندما يصبح القرار إيرانياً
لا يمكن قراءة إنحراف بوصلة المقاومة بمعزل عن الدور الإيراني المهيمن. لقد تحولت هذه الحالة من فعل تحرري لبناني المنشأ والهدف، إلى فيلق متقدم يخدم الإستراتيجية التوسعية للجمهورية الإسلامية في إيران. وهنا يكمن مقتل المفهوم، فالمقاومة الحقيقية تنبع من حاجة وطنية صرفة، أما عندما يصبح قرار الحرب والسلم، والتصعيد والتهدئة، مرهوناً بطاولات المفاوضات في فيينا أو بخرائط النفوذ الإيراني في المنطقة أو زج لبنان في حروب إسناد غزة وإبران، فإن المقاومة تتحول هنا إلى وظيفة وكالة عابرة للحدود.
إن الإرتهان الكامل للمشروع الإيراني جعل من السلاح أداة لتنفيذ أجندات لا تخدم المصلحة الوطنية اللبنانية في شيء. بل على العكس، أصبح لبنان ساحة لتصفية الحسابات الإيرانية، وصار الشعب اللبناني رهينة لسياسات وحدة الساحات التي تفرضها طهران لتعزيز أوراق قوتها الإقليمية. في هذا المشهد، لم يعد لكلمة مقاومة أي معنى سوى أنها صوت إيران في لبنان.
القرار الذي لا يصدر من بيروت
في 7 أيار عام 2008، إجتاح مسلحو حزب الله بيروت وجبل لبنان بقرار لم تتخذه أي حكومة لبنانية ولم يطالب به أي شعب. الذريعة كانت قراراً حكومياً يمس شبكة الإتصالات الغير شرعية. الرسالة الحقيقية كانت أوضح: من يملك السلاح يملك القرار، ومن يملك القرار يجلس في طهران.
وحين إندلعت الحرب السورية، ذهب آلاف المقاتلين إلى القصير وحلب والقلمون، لا لتحرير أرض لبنانية ولا لصد عدوان إسرائيلي، بل لإنقاذ نظام الأسد خدمةً للمشروع الإيراني. كان اللبنانيون يدفنون أبناءهم، فيما الخطاب الرسمي يتحدث عن وحدة الساحات.
المشكلة ليست في السلاح وجوداً أو غياباً. المشكلة أن هذا السلاح لم يُوجَّه يوماً وفق حسابات لبنانية صرفة. في عام 2006، جاءت عملية أسر الجنديين الإسرائيليين في توقيت كانت فيه طهران تحت ضغط دولي متصاعد بشأن ملفها النووي. لبنان دفع الثمن أكثر من 1200 قتيل وبنية تحتية مدمرة، بينما خرج حسن نصرالله يعلن النصر الإلهي.
هي مقاومة سقطت أخلاقياً ووطنياً. لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها: نحن لا نواجه مقاومة، بل نواجه مشروع إلحاق لبنان بالجمهورية الفارسية الإيرانية
إنزياح المفهوم: من التحرير إلى الوصاية
تاريخياً، إرتبط مفهوم المقاومة بالفعل التحرري، لكن التوظيف الإيراني لهذا السلاح حرف المسار. تحولت المقاومة من “درع” للحدود إلى “سيف” مصلت على الداخل اللبناني لضمان بقاء لبنان داخل المدار الإيراني. حين تتدخل هذه القوة في تفاصيل تشكيل الحكومات وتعيين الموظفين ورسم السياسات، فهي تمارس “سلطة وصاية” بالنيابة عن الممول والموجه في طهران.
هذا التناقض الجوهري جعل من كلمة مقاومة مجرد غطاء أخلاقي لمشروع الدويلة التي تبتلع الدولة. لقد أصبحنا أمام واقع مرير: فائض قوة يُستخدم لتثبيت الهيمنة الإيرانية، بينما تنهار مؤسسات الدولة اللبنانية وتتلاشى سيادتها.
المجاز الذي يغطي التبعية
عندما نقول لم يتبقَى سوى مجازية الإسم، فنحن نقصد أن الإستخدام الحالي للمصطلح هو “قناع لغوي”. هو “مجاز” يُستخدم في الخطابات التعبوية لتبرير التدخل في صراعات إقليمية في سوريا والعراق واليمن، تنفيذاً للأوامر الإيرانية. لقد فقدت الكلمة قداستها حين صار طريق القدس يمر بكل العواصم العربية المحتلة بنفوذ طهران، إلا القدس نفسها.
إن التمسك بمجازية الإسم مقاومة لم يعد ينطلي على أحد، فاللبنانيون يدركون تماماً أن من يحكم قرارهم اليوم ليس إرادة وطنية، بل هي إرادة الولي الفقيه وحرسه الثوري التي تستخدم السلاح لتعزيز واقع التبعية وربط مصير بيروت بمصير طهران، بغض النظر عن حجم الدمار والإنهيار الذي يلحق بالوطن.
العودة إلى السيادة
إن التاريخ لا يرحم الكلمات التي تفقد روحها وتتحول إلى أدوات في يد الخارج. المقاومة التي لا تستمد شرعيتها من سيادة دولتها ولا تضع مصلحة مواطنيها فوق كل إعتبار إقليمي، هي مقاومة سقطت أخلاقياً ووطنياً. لقد حان الوقت لتسمية الأشياء بمسمياتها: نحن لا نواجه مقاومة، بل نواجه مشروع إلحاق لبنان بالجمهورية الفارسية الإيرانية، وما شعار المقاومة إلا الستار الأخير الذي يتهاوى أمام الحقيقة.




