قادة الحرس الإيراني: لماذا في بيروت وليس على الجبهات؟

يتساءل البعض عن سبب ظهور الحرس الثوري الإيراني في مناطق لبنانية بعيدة عن الجنوب، ممتدة من الروشة وصولاً إلى ضواحي بيروت، وغيابه في المقابل عن جبهة القتال المباشرة مع إسرائيل. لفهم هذه المفارقة، لا بد من العودة إلى لحظة التأسيس الأولى.
في هذا المنشور، أحاول تقديم خلاصة مركزة لهذه المسألة؛ أما من يرغب في التوسع في التفاصيل، والوثائق، والسياق التاريخي الأشمل، فيمكنه العودة إلى كتابي: “من بلاط الشاه إلى ضاحية بيروت” الصادر عن دار النهار.
بدايات الفكرة ومعارضة الخميني
تعود فكرة إرسال الحرس الثوري إلى لبنان لمرحلة مبكرة من العام 1979، وكان نجل آية الله حسين علي منتظري من أبرز المحركين لهذا التوجه. ومع ذلك، لم يكن الخميني متحمسًا في البداية لهذا المسار، كما أن سوريا بدورها لم تكن راغبة في فتح الساحة اللبنانية أمام شريك قد يزاحمها النفوذ.
اجتياح 1982 ومناورة صدام حسين
مع الاجتياح الإسرائيلي للبنان في حزيران 1982، ارتفع منسوب الضغط الشعبي داخل إيران، وخرجت تظاهرات تطالب بإرسال مقاتلين. حينها، كانت إيران غارقة في حربها مع العراق، فاقترح صدام حسين تعهدًا بوقف القتال وفتح ممر للقوات الإيرانية نحو سوريا فلبنان، إلا أن الخميني رفض العرض، وأطلق عبارته الشهيرة: “طريق القدس يمر من كربلاء”.
الصدمة السورية: “تحطيم العظام” في البقاع
التحول الفعلي لم يأتِ من الحماسة الإيرانية، بل من “الصدمة السورية”. ففي 9 حزيران 1982، وخلال عملية (Mole Cricket 19) في سهل البقاع، دمرت إسرائيل في الساعات الأولى 29 من أصل 30 بطارية دفاع جوي سورية. وفي الجو، أسقطت إسرائيل خلال المعركة وما تلاها ما بين 82 إلى 86 طائرة سورية، دون أن تخسر طائرة مقاتلة واحدة. تعرض حافظ الأسد في البقاع لهزيمة جوية-دفاعية قاسية ومهينة استراتيجيًا.
الاجتياح الإسرائيلي شكّل “الفرصة”، وهزيمة الأسد في البقاع فتحت “الباب”، أما الوظيفة الفعلية فكانت تصدير الثورة وبناء نفوذ أيديولوجي طويل الأمد، لا خوض مواجهة عسكرية مباشرة
دخول الحرس الثوري: الأرقام والوظيفة
في ظل هذه الصدمة، بدا إدخال “العامل الإيراني” إلى لبنان أقل كلفة من ترك الساحة مكشوفة بالكامل. وبعد ساعات من المعركة، فُتح الباب أمام وصول أولى دفعات الحرس الثوري إلى البقاع. ورغم الوعود والشعارات بإرسال أكثر من عشرة آلاف مقاتل، فإن العدد الذي دخل فعليًا تراوح وفق أغلب التقديرات بين 800 و1500 عنصر فقط. وقد أعلن الخميني حينها في خطاب رسمي أنه لن يرسل المزيد، معللاً ذلك بعدم وجود حدود مباشرة لإيران مع إسرائيل.
أبعد من القتال: بناء “المجال الأيديولوجي“
وهنا تكمن الحقيقة الأساسية التي أتناولها في كتابي: الدور الإيراني في لبنان لم يكن في جوهره قتاليًا مباشرًا ضد إسرائيل، بل كان دورًا أيديولوجيًا-تنظيميًا. العناصر التي دخلت لم تعمل كقوة صدام ميداني على الحدود، بل كنواة لتأسيس مشروع “بناء بنية عقائدية”، وتنظيم شبكات ولاء، وإعادة تشكيل البيئة الشيعية سياسيًا وثقافيًا واجتماعيًا على صورة الثورة الإسلامية.
أنشأ الحرس الثوري معسكرات تدريب في البقاع (ومن المثير للاهتمام ملاحظة وجود “أحمدي نجاد” ضمن تلك العناصر حينها)، واشتغلوا على التأطير العقائدي والعمل الاجتماعي والثقافي أكثر بكثير من اشتغالهم على القتال المباشر.
إن ربط وجود الحرس الثوري في لبنان حصراً بعنوان “مقاومة إسرائيل” هو تبسيط مضلل تاريخيًا. الأدق هو أن الاجتياح الإسرائيلي شكّل “الفرصة”، وهزيمة الأسد في البقاع فتحت “الباب”، أما الوظيفة الفعلية فكانت تصدير الثورة وبناء نفوذ أيديولوجي طويل الأمد، لا خوض مواجهة عسكرية مباشرة.




