ظالمو نواف سلام: إن ابتليتم.. أفلا تستترون؟

يُطل المشهد السياسي اللبناني اليوم على فصل جديد من فصول التناقض، حيث تتشابك الأدوات البصرية مع الرسائل السياسية في محاولة لفرض واقع بديل. وفي قراءة لما جرت هندسته في الشارع، يبدو أن الأزمة لم تعد تقتصر على السياسة فحسب، بل تمتد لتطال المنطق الذي تُبنى عليه التحركات الشعبية.
صناعة المشهد وتزييف الواقع
في السياسة لا تُرتكب الخطايا فقط… بل تُمارَس الوقاحة حين يُراد تسويقها كفضيلة. ما شهدته شوارع بيروت أمس لم يكن مجرد تحرّكٍ احتجاجيّ عابر، بل عرضًا فجًّا لمحاولة إعادة تدوير مشهدٍ فقد مضمونه. تُفتح الساحات، تُرفع الشعارات، وتُستحضر أدوات من أرشيف الخصوم، في محاولةٍ مكشوفة لتضليل الرأي العام وإيهامه بواقعٍ غير موجود.
رسائل مُفبركة وتناقضات تاريخية
أن تُرفع أعلام “تيار المستقبل” في تظاهرةٍ محسوبة على بيئة “حزب الله”، فذلك ليس تفصيلاً عابرًا ولا صدفة، بل هو رسالةٌ مُفبركة بصريًا، لعلّ هدفها الإيحاء بوجود غطاءٍ سنّي لتحرّكٍ يفتقد لأيّ امتدادٍ فعليّ خارج دائرته. والمفارقة أنَّ هذا التيار يرتبط باسم الشهيد رفيق الحريري، الذي لطالما حاربوه، قبل أن يُغتال على يد حزبهم، في مشهدٍ يختصر حجم التناقض والانفصام السياسي.
ما شهدته شوارع بيروت أمس لم يكن مجرد تحرّكٍ احتجاجيّ عابر، بل عرضًا فجًّا لمحاولة إعادة تدوير مشهدٍ فقد مضمونه
استعراض الودّ المستجدّ مع المؤسسة العسكرية
ثم يأتي المشهد الأكثر سوريالية: تقديم الورود لعناصر الجيش اللبناني، في استعراضٍ عاطفيّ مصطنع، يتناقض كليًا مع سنواتٍ من التوتر، بل والاشتباك غير المباشر مع المؤسسة العسكرية. البيئة نفسها التي كانت تعتبر دخول الجيش إلى بعض مناطق الجنوب “خطًا أحمر”، باتت اليوم تتسابق لالتقاط الصور معه، وكأنها تكتشف فجأةً مفهوم “الدولة”.
الازدواجية في السلطة واستهداف رئاسة الحكومة
لكن بيت القصيد ليس هنا… بل في السلوك؛ فبدل أن تُوجَّه أصابع السؤال إلى الوزراء المحسوبين على هذه القوى داخل الحكومة نفسها، يجري تعمّد توجيه السباب حصرًا نحو رئيس الحكومة نواف سلام، وكأنَّ المسؤولية تقع عليه وحده. إنها ازدواجيةٌ فاضحة: شراكةٌ في السلطة حين يناسب، وتنصّلٌ منها عند أوّل استحقاق.
الفوضى كبديلٍ عن الخسارة
الحقيقة أبسط من كلّ هذا الضجيج: هذه بيئةٌ خسرت الكثير… بل خسرت تقريبًا كلّ شيء، ففقدت توازنها. وحين يخسر اللاعب أوراقه، لا يعود أمامه إلا الفوضى كبديل، والصراخ كأداة، واستحضار أيّ شعارٍ مستهلكٍ لملء الفراغ.
الهروب إلى الأمام والالتفاف الشعبي
أما استهداف نواف سلام، فليس سوى محاولةٍ للهروب إلى الأمام؛ فليس هو من فتح هذه الحرب… بل حزبكم. وليس هو من راكم هذه الأزمات… بل خياراتكم. ومع ذلك، يُراد تحميله مسؤولية مشهدٍ لم يصنعه.
ولعلّهم إن نجحوا في شيءٍ واحد، فهو —من حيث لا يريدون— توسيع دائرة الاحتضان الشعبي والسياسي لدولة الرئيس نواف سلام، الذي بدا في ظلّ هذا الأداء، أكثر حضورًا وثباتًا في نظر كثيرين.
إقرأ أيضاً: بين قراراتٍ تُهان.. ومنطق القوّة الذي يحكم



