الحزب يخترع “عدواً نقدياً” جديداً اسمه: مصرف لبنان

لم يولد تقرير صحيفة “الأخبار” حول تحرير الليرة من عَدَم، ولم يكن نتاج صُدفة. هو تقرير لقيط “مجهول الكاتب”. أهدافه واضحة ومحدّدة، وخلاصتها: أنّ “حزب الله” يطلق النار على مصرف لبنان بشكل مُسبق، بدافع تمهيد الطريق أمام استخدام أموال مصرف لبنان لأغراض إعادة الأعمار.
يريد حزب الله استخدام ما تبقى من أموال المودعين في تمويل عملية إعادة الإعمار… وإن لم يحصل ذلك، يريد الدعوة لإسقاط حكومة نواف سلام.
خلاصة التقرير أو “زُبدته” موجودة في الفقرة الأخيرة، التي تحدثت صراحة عن محاولة الحاكم كريم سعيد “محاصرة الدولة”، وذلك لـ”منعها من استخدام أيّ أموال عامة في برامج الإعمار”. في تلك الجملة المفتاحية بآخر فقرة في التقرير أخبرتنا “ألأخبار” كل شيء، “وشوشتنا” أنّ لا أموال إيرانية، وأنّ “حزب الله” محاصر مالياً، ويبحث عن بدائل.
ضغط على مصرف لبنان
من وحي التقرير، قد يطرأ سؤال في بال القارىء، ويقول: هل مصرف لبنان يملك، بالفعل، الاستقلالية في اتخاذ القرار في كيفية التصرف بأمواله مثلما تدّعي صحيفة “الأخبار”؟
الجواب البديهي والسريع على هذا السؤال، يقول: نعم، المجلس المركزي في مصرف لبنان هو الجهة التي تقرّر كيفية استخدام الاحتياطات والأموال. هذه هي القاعدة، لأنّ استقلالية مصرف لبنان مصونة بموجب “قانون النقد والتسليف”، وخلاف هذا المنطق يختفي الخط الفاصل بين أموال “المركزي” وأموال الحكومة. وبالتالي، فإنّ أيّ دَين على الطرف الأول يمسي ديناً على الطرف الثاني… والعكس بالعكس.
كما أنّ السياسات السابقة التي انتهجها الحاكم السابق رياض سلامة مع الحكومات المتعاقبة هي الشواذ والخطاء. وما تطالب به “الأخبار” اليوم بأسلوب موارب هو عملياً، العودة إلى تلك السياسات من دون حساب. أي عودة مصرف لبنان إلى مشاركة الحكومة “التخت” نفسه تحت طائلة تحميل الحكومة المسؤولية وبالتالي إسقاطها.
يريد حزب الله استخدام ما تبقى من أموال المودعين في تمويل عملية إعادة الإعمار… وإن لم يحصل ذلك، يريد الدعوة لإسقاط حكومة نواف سلام
الدولار 200 ألف ليرة؟
رياض سلامة وسياساته (بالتواطؤ والتكافل مع الحكومات والبرلمانات) هي ما أرسى تلك السوابق. هي ما جعل استدانة “الدولة” (السلطة) من “المركزي” من المسلمات، التي فتحت وتفتح الباب أمام صحيفة “الحرس الثوري الإيراني” وغيرها اليوم، من أجل تمهيد الطريق للمطالبة بتخطي القانون والسير بعكسه.
أسئلة أخرى تتفتق في الأذهان من وحي هذه الطروحات، ومفادها: هل فعلاً يستطيع حاكم مصرف لبنان تحرير الليرة؟ وهل فعلاً بتحرير الليرة، سيقفز سعر صرف الدولار من نحو 89 ألف ليرة إلى 200 ألف ليرة، ويصل في غضون أسابيع إلى 500 ألف ليرة كما ادعت “الأخبار”؟
هذه الصلاحية بحاجة إلى قرار حكومي كبير. كما أنّ حاكم مصرف لبنان وحتى المجلس المركزي لا يستطيعان تحرير الليرة اللبنانية، طالما أنّ القطاع المصرفي معطّل. لأنّ آلية تحديد سعر الصرف (عرضاً وطلباً) تتطلب جهة رسمية يمكن الركون إليها لمعرفة حركة عرض الدولار والطلب على الليرة/دولار من خلالها. تلك الجهة هي المصارف، وليس الصرافين.
كما أنّ تحرير الليرة في هذه الظروف الأمنية، وفي ظلّ الفوضى الدائرة، سوف يعيد الحياة للمضاربين وإلى مجموعات “واتساب” التي كانت شغل اللبنانيين الشاغل ومصدر الشقاء والتلاعب في لقمة عيشهم وقدرة رواتبهم الشرائية (لمن يذكر).
المركزي وضبط سعر الصرف
لقد تمكّن مصرف لبنان من ضبط سعر الصرف، على مدى السنوات الثلاث الفائتة، هي “الآلية”، التي أقرتها الحكومة بالتنسيق مع وزارة المالية والمصرف المركزي. تلك الآلية تقوم على ضبط سعر الصرف من خلال خلق توازن بين المعروض من الليرات (ما تضخّه الحكومة من ليرات لسدّ التزاماتها) والمطلوب منها (شراء الفائض من الدولارات).
هذه الآلية تتعرّض اليوم للضغوط، نتيجة الحرب التي أجبرت مصرف لبنان على إنفاق ملايين الدولارات. لأنّ الأعمال العسكرية تدفع الناس إلى تحاشي دفع الالتزامات (الرسوم والضرائب) وهذا يُترجم في ضعف المعروض من الدولار على شبابيك الصرافين…
الدولار ليس 500 ألف ليرة
لكنّ هذا كلّه لا يعني أنّ سعر صرف الليرة سوف يرتفع إلى 500 ألف، مثلما صوّرت “الأخبار”. وذلك لأنّ الليرة اللبنانية بكل بساطة لم تعد عُملة لبنان، بل أمست عملة “الإدارة اللبنانية”، التي نلجأ إليها من دفع الرسوم والضرائب فقط. بينما نستخدم الدولار الأميركي في كل عملياتنا النقدية اليومية الأخرى.
كما أنّ لجوء مصرف لبنان إلى تحرير الليرة في ظل هذه الظروف، سيحلّ كارثة على رؤوس جميع اللبنانيين وليس على الأجهزة الأمنية أو على موظفي القطاع العام فقط، مثلما قالت “الأخبار” في تقريرها. وهذا ما قد يجعل تحريرها بقرار منفرد، أمراً مستحيلاً.
أمّا اتهام كريم سعيد بتنفيذ أجندة أميركية لـ”محاصرة حزب الله”… فتلك تُهمة مضحكة. إذ أنّ واشنطن، في حال تريد محاصرة لبنان بالفعل، يمكنها أن تمنع مصرف لبنان والمصارف من استخدام عملتها (الدولار) حتى تُدمّر الاقتصاد اللبناني. أو أن توعز للمصارف الأجنبية المراسلة لعدم التعامل مع مصارفنا المحلية… حتى يحصل الانهيار التام.
عدوّ بتهمة “عدم إعادة الإعمار”
ما حاولت “الأخبار” أن تفعله في عَددها أمس، هو: “ذرّ الرماد في العيون”. استَجدَت التهويل بأمر يستحيل أن يحصل، لتصل من خلاله إلى هدف آخر: خلقت “الأخبار” ومن خلفها “عدواً جديداً”. أخبرنا لسان حالها كما أخبر الجنوبيين وأهل الضاحية، ضمناً، أنّ لا أموال إيرانية مخصّصة الإعادة الإعمار. ووزّعت “أمر عمليات نقدي” جديد للمرحلة المقبلة، علّها تقوم بتهيئة الأجواء لخلق “عدو إقتصادي” اسمه مصرف لبنان، يعلّق عليه “حزب الله” وطهران فشلهما في تمويل إعادة الاعمار الصعبة والمكلفة.



