معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

“تركوني عليه”… الحزب يتجسّد في “نرفوز” النبطيّة

المساعدة البصرية: حجم الخط

في النبطيّة، وخلال زيارة رئيس الحكومة نوّاف سلام، ظهر رجلٌ غاضب. يتنطّح ويصرخ ويقترب، ويعلن أنّه يريد أن “يضرب الرئيس كفّين”. وعناصر الدرك يحيطون به، يربّتون على كتفه، يهدّئونه، ويُبعدونه بلطف.

مشهدٌ يعرفه كلّ لبنانيّ. لم يخترعه هذا الرجل. ورثه عن حزب الله.

 

 

المشهد الأشهر في لبنان

في كلّ حيٍّ لبنانيّ رجلٌ من هذا النوع. يرفع صوته، يشمّر عن ساعديه، ويصرخ: “تركوني عليه. بدّي دعوسو!”. لكنّه يتحقّق قبل ذلك من أنّ أحداً يمسكه. وكلّما شدّوه إلى الخلف، علا صوته أكثر.

القاعدة ذهبيّة: الصراخ يتناسب طرداً مع عدد الأيدي الماسكة.

لو أفلتوه فعلاً، لتغيّرت النبرة فوراً. لاكتشف فجأةً أنّ لديه موعداً، أو أنّ “الحقّ مش عليه”، أو أنّ “الظرف مش مناسب”.

حزبٌ يطلب من يمسكه

هذا بالضبط ما يفعله حزب الله منذ أكثر من سنة بوجه إسرائيل. يقف على المنبر ويتوعّد: “الردّ آتٍ”. “الصبر له حدود”. “لن نسكت إلى الأبد”. ثمّ يلتفت ليهاجم الدولة، ويترك لها مهمّة الإمساك به.

والدولة تفعل. تفاوض، وتطمئن، وتقنعه بأنّ أيّ ردٍّ سيكلّفه ما تبقّى. وتقول له بلطف ما يقوله الدركيّ للرجل الغاضب: “روق. رح تؤذي حالك. رح تتبهدل”.

وهو يقبل. لكنّه يقبل وهو يصرخ. لأنّ الصراخ هو كلّ ما تبقّى.

تُقصف السيّارات على الطرقات، ويُغتال الكوادر في بيوتهم، والجواب بيان. ثمّ صمت. ثمّ خطابٌ جديد عن الانتصار.

خطاب المنتصر، وسلوك من يبحث عن يدٍ تمسكه وتهدّئه.

الشجاعة في الاتّجاه الخطأ

لكنّ أخطر ما في مشهد النبطيّة ليس الصراخ. بل الاتّجاه.

الرجل لم يتوعّد إسرائيل التي دمّرت قريته. توعّد رئيس حكومة بلده. لم يقترب من الحدود. اقترب من الدولة.

وهذا أيضاً من مدرسة الحزب: شجاعٌ على الدولة، مؤدّبٌ أمام إسرائيل… يرفع الصوت في الداخل، ويخفضه على الحدود… يهدّد رئيس الحكومة بالكفوف، ويهدّد إسرائيل بالبيانات.

العضلات التي عجزت عن حماية الجنوب، يستعرضها حزب الله اليوم على من يحاول إنقاذه.

الدرك… والدولة

في المشهد تفصيلٌ يستحقّ التوقّف: عناصر الدرك لم يضربوا الرجل. لم يعتقلوه. لم يهينوه. هدّأوه وأبعدوه.

هذه هي الدولة. تحمي حتّى من يريد أن يصفعها.

وهذا هو الفرق الجوهريّ: الدولة تحتوي غضب الناس، والحزب يستثمر فيه. الدولة تقول للغاضب “روق”، والحزب يقول له: “اصرخ أكثر، فالكاميرات تصوّر”.

آخر “تركوني عليه“

ربما آن الأوان لقول الحقيقة لهذا الرجل، وللحزب الذي يشبهه

لا أحد يريد أن يتركك. ولا أحد سيتركك. لا لأنّك خطير، بل لأنّنا تعبنا من دفع ثمن عنترياتك.

الجنوب لم يعد يحتمل مزيداً من الصراخ.

يحتاج إلى من يبني، لا إلى من يهدّد.

إلى دولة تفاوض، لا إلى رجلٍ يتنطّح.

ومن يريد أن يضرب أحداً كفّين، فليبدأ بمن أخذه إلى الهزيمة.

 

إقرأ أيضاً: عبير مروّة تواجه الحملة عليها: “إن كانت تهمتي وطنيتي فليكن حكمي مؤبّداً“