في قرى الجنوب، لا تكفي عودة المفتاح إلى باب البيت كي تنتهي قصة النزوح. فالمزارع يحتاج إلى طريق آمن يصل به إلى أرضه، وصاحب المتجر إلى زبائن قادرين على الشراء، والأسرة إلى مدرسة وعيادة ومياه وكهرباء. لذلك، فإن السؤال بعد القصف ليس فقط كم منزلاً تهدّم، بل ما إذا كانت شروط الحياة نفسها ما زالت قابلة للعودة.
لا تظهر الأزمة كاملة في صور الأبنية المدمرة. الجنوب لا يواجه أزمة سكن فقط، بل أزمة اقتصاد محلي تضررت حلقاته الأساسية، من الأرض والعمل إلى السوق والخدمات. ولذلك فإنّ العودة الجغرافية للسكان لا تعني بالضرورة عودة الحياة.
بحسب بيانات منظمة الهجرة الدولية في ١٥ أيلول ٢٠٢٦، كان نحو ٣٤١ ألف شخص لا يزالون نازحين داخلياً في لبنان، مقابل نحو ٨٦٥ ألف شخص بدأوا العودة إلى مناطقهم الأصلية. لكن هذا الرقم هو لقطة زمنية لحركة السكان، وليس مؤشراً على استعادة الاستقرار. فالعودة قد تعني العودة إلى منزل متضرر، أو الاقتراب من القرية، أو الإقامة فيها من دون القدرة على استعادة مصدر الدخل.
العودة الحقيقية تبدأ مع عودة العمل
وهنا تظهر الزراعة كأوضح مثال. وزارة الزراعة تحدثت عن تأثر أكثر من ٥٦ ألف هكتار من الأراضي الزراعية في المناطق المتضررة بدرجات متفاوتة. والمهم هنا التمييز بين الأرض المتأثرة والأرض المدمرة مباشرة: التأثر قد يكون نتيجة أضرار مادية، أو تعذّر الوصول إلى الأرض، أو اضطراب الري والإنتاج، أو فقدان موسم زراعي كامل.
وهذا الفارق جوهري. فالمزرعة لا تصبح عديمة القيمة فقط عندما تُقصف. قد تصبح عديمة القيمة عندما يتعذر على صاحبها زراعتها.
وقدّرت جهات دولية ووزارة الزراعة خسائر الإنتاج الزراعي بنحو ٥٣٠ مليون دولار. وفي حالة المزارع، لا تعني خسارة الموسم خسارة محصول واحد فقط، بل خسارة دورة إنتاج كاملة تحتاج بعد ذلك إلى بذور وشتول وأسمدة ومياه ووقود وعمال ورأس مال لإعادة تشغيلها.
وتكشف دراسة لـMercy Corps، شملت ٣٢١ أسرة متضررة من النزوح، حجم المشكلة على مستوى دخل العائلات: فقد نحو ثلث الأسر مصدر دخله الأساسي بفعل النزوح، فيما استعاد أقل من ربعها ذلك المصدر. كما أبلغت نسبة كبيرة من الأسر عن فقدان أصول إنتاجية وغياب المدخرات. وهذه عينة من أسر متضررة، وليست مسحاً شاملاً لكل سكان الجنوب، لكنها تقدم صورة واضحة عن الطريقة التي يتحول فيها النزوح الأمني إلى أزمة اقتصادية.
محلٌّ مفتوح… واقتصادٌ مغلق؟
في البلدة نفسها، تتكرر المشكلة بأشكال مختلفة.
قد يبقى المتجر واقفاً، لكن زبائنه نزحوا. وقد يعود التاجر، لكن الناس الذين يعودون لا يملكون القدرة الشرائية نفسها. وقد يفتح المصنع أبوابه، لكنه يجد أنّ جزءاً من عماله غادروا وأنّ الكهرباء والنقل والوقود والأسواق لم تعد إلى طبيعتها.
وهكذا يمكن أن ترى محلاً مفتوحاً، لكن اقتصادياً هو مغلق.
الأمر نفسه ينطبق على الصياد والحرفي والميكانيكي والمطعم والطبيب والمهندس وسائر أصحاب المهن. الصياد يحتاج إلى مرفأ وقارب ووقود وسوق، والطبيب يحتاج إلى سكان ومركز صحي يعمل، والحرفي يحتاج إلى زبائن. لذلك فإن أي عودة للسكان من دون عودة دورة الاقتصاد تترك وراءها بلدة تبدو مأهولة، لكنها لا تعمل بصورة طبيعية.
من النزوح الأمني إلى التهجير الاقتصادي
والخدمات تزيد المسألة تعقيداً. فالأسرة لا تستطيع أن تستقر في قرية لا تجد فيها مدرسة أو رعاية صحية أو مياه وكهرباء مستقرة. وقد حذرت اليونيسف في أيلول من أضرار طالت مئات المدارس، مع بقاء نحو ١٠٠ ألف طفل معرضين لخطر الحرمان من التعليم. كما وثقت ضغوطاً شديدة على الأسر في تأمين الغذاء والرعاية الصحية. وهذه أرقام على مستوى لبنان المتأثر بالحرب وليست مؤشراً حصرياً على الجنوب، لكنها تشرح كيف يتحول النزوح إلى أزمة اجتماعية تتجاوز السكن.
المشكلة الأخطر تبدأ عندما يطول هذا الوضع.
العائلة التي تفقد دخلها تستنزف مدخراتها، ثم تلجأ إلى الدين، ثم تبدأ ببيع ما يمكن بيعه أو البحث عن عمل خارج المنطقة. والشاب الذي لا يجد وظيفة، ولا يرى مدرسة أو جامعة وخدمات مستقرة، قد لا يعتبر العودة خياراً دائماً حتى لو أصبح المنزل صالحاً للسكن، هنا يتحول النزوح من مشكلة أمنية إلى تهجير اقتصادي طويل.
ليست معركة إسمنت فقط
وهذه ليست مسألة اقتصادية فقط، بل اختبار سياسي للدولة. فإعادة إعمار الجنوب لا ينبغي أن تقاس بعدد البيوت التي ترمم، بل بقدرة الدولة على إعادة تشغيل الاقتصاد المحلي: تأمين الوصول الآمن إلى الأراضي، إصلاح الطرق وشبكات المياه والكهرباء، دعم المزارعين والمؤسسات الصغيرة، إعادة فتح المدارس والمراكز الصحية، واستعادة شروط العمل والإنتاج.
وفي المقابل، كلما تأخرت الدولة في ذلك، ازداد دور شبكات المساعدة المحلية والحزبية والدينية والخاصة في سد الاحتياجات اليومية، وترسّخ ارتباط المواطن بمن يقدّم له الخدمة المباشرة، لا بمن يفترض أن يكون مسؤولاً عنها في الأصل.
لهذا، فإنّ معركة الجنوب بعد الحرب ليست معركة إسمنت فقط.
البيت يعيد الإنسان إلى المكان، أما العمل والأمان والمدرسة والماء والصحة والسوق والأرض المنتجة فهي التي تجعله يبقى فيه.
وقد تعود العائلات إلى أبواب بيوتها، لكن ذلك لا يعني أن الحياة عادت.
السؤال الحقيقي ليس كم بيتاً سيُعاد بناؤه، بل كم عائلة ستستطيع أن تبني مستقبلها من جديد من دون أن تضطر إلى مغادرة الجنوب.
إقرأ أيضاً: مَن يمحو أسماء القرى؟ بلدية تبنين تسقط فتنة اللافتات