الحزب يمنع “الكشّافة” الوطنية من العمل في الجنوب والضاحية والبقاع

خاصّ “الدّولة”
حين نقول إنّ الحزب متغلغل في الدولة العميقة في لبنان، لا يسعنا إلّا التنقيب عن آثار هذا التّغوّل وربطها برمزياته ومدلولاته، ثم التوقف عند نتائجه الكارثية على الشيعة خصوصًا، ولبنان عمومًا.
إحدى هذه المسائل تتمثّل في التضييق على كشّاف التربية الوطنية التابع لوزارة التربية والتعليم العالي في لبنان، إذ تُمارس ضغوط على مديري المدارس في الجنوب والضاحية والبقاع لمنع كشّاف التربية الوطنية من العمل داخل المدارس، لمصلحة كشّافة المهدي التابعة لحزب الله أو كشّاف الرسالة الإسلامية التابع لحركة أمل.
ومع تهيئة الأجواء لاستبدال هذه الأنشطة بأنشطة كشّافة المهدي، أو إشراكها في الحياة الكشفية داخل تلك المدارس وضمن المجتمعات المحلية في القرى، برزت مؤشرات مقلقة. فقد نُشرت تقارير عن نزاعات طائفية وسياسية داخل كشّاف التربية الوطنية نفسه، رافقها تقديم استقالات جماعية على خلفية خلافات يُقال إنها «تنظيمية»، غير أن جوهرها في الواقع طائفي. يشير ذلك إلى أن المشهد لم يعد محايدًا، وأن هناك تنافسًا واضحًا بين التيارات الكشفية المختلفة.
المشكلة ثقافية بالدرجة الأولى
في منطق الحزب، السيطرة على ذهنية الطفل تُنتج استمرارية للهيمنة السياسية بطرقٍ طويلة الأمد. فاستقطاب الأطفال عبر نوادٍ تعليمية وترفيهية يضمن للحزب رافدًا بشريًا مستقبليًا من الشباب الذين تربّوا ضمن منظومةٍ قيميةٍ واحدة، يتبنون خطابًا موحدًا في التحليل التاريخي والولاءات والرموز.
وهذا التحول لا يندرج ضمن إطار التربية الدينية فحسب، بل في إطار هندسةٍ ثقافيةٍ تُعيد تعريف مفهومي المواطنة والانتماء داخل المجتمع.
حين تتحوّل الكشّافة إلى مصنع أيديولوجي
كشّافة المهدي ليست جمعية كشفية تقليدية؛ فإلى جانب أنشطة الجوالة والتخييم ومهارات الملاحة والقيادة وغيرها، تركّز الجمعية على التلقين الشرعي والتربوي بما يتوافق مع الخط الديني الذي يتبناه حزب الله، أي ولاية الفقيه ودولة صاحب الزمان والجهاد المقدس والتكليف الشرعي والعسكرة. وهي مصطلحات كانت غريبة عن المجتمع الشيعي قبل ظهور الحزب، حين كانت التيارات اليسارية والقومية تهيمن على توجهات المسلمين في لبنان، سنةً وشيعةً على حد سواء.
تعمل كشّافة المهدي اليوم كمحرّكٍ مركزي في تشكيل هوية شبابية متجانسة، وتغذية شبكات الحزب بالكوادر المتكوّنة منذ الصغر، عبر زرع رواياتٍ وطقوسٍ وبطولاتٍ رمزية تُكرّس ولاءات محددة. هكذا تُختزل القيم الكشفية الوطنية في قالبٍ أيديولوجي ضيّق، وتضيع رسالتها الجامعة بين الولاء والانقسام.
الطائفية بدلًا من المواطنية
يأخذنا هذا النهج إلى توحيد طرائق التفكير داخل الطائفة، حيث تضيق مساحات الاختلاف وتضعف القوى المدنية والتنوّعية التي كانت تشكّل نسيجًا اجتماعيًا غنيًا داخل البيئة الشيعية. ويتحوّل التنافس الاجتماعي إلى ولاءٍ تنظيمي، فالكشّافة التي كانت ساحةً للتربية المدنية أصبحت أداةً لإعادة إنتاج فكرٍ سياسيٍ طائفيٍ بعينه.
كما يُسهم هذا النهج في إضعاف المؤسسات الوطنية المشتركة، إذ إنّ استبدال المؤسسات الوطنية بأنشطة ذات انتماءٍ حزبيٍ يفقد البلاد مساحاتها الجامعة التي تُربّي على روح المواطنة المشتركة. فالقوانين والتعليم الرسمي يقتضيان حيادًا مؤسساتيًا داخل المدارس الحكومية تجاه الحركات الحزبية، حفاظًا على التنوّع والمصلحة الوطنية.
استعادة المساحات المشتركة
إذا كانت العملية التعليمية تُستغل لإنتاج مواطنٍ أحادي اللون وتوسيع منطق الطائفية والتعصّب، فإنّ ما نحتاج إليه اليوم ليس قمعًا لمعتقدات أحد، بل استردادًا لمساحات التربية المشتركة، وضمانًا لحياد المؤسسات الرسمية، وإجراء تحقيقاتٍ شفّافة حول أي ممارساتٍ تُضيّق المجال المدني أو تستغل مكانة الدولة لصالح أجندةٍ حزبية.
فهل يمكن أن تستعيد الكشافة اللبنانية يومًا قيمها الأولى: الله، والوطن، والإنسان؟



