رفض بلا بدائل: عندما يتمسّك الحزب الشّيوعي بالشعارات لا بالسياسة

ليس مستغربًا أن يدعو الحزب الشّيوعي اللّبناني إلى اعتصام جديد تحت شعار “لا مصلحة للبنان بالدّخول في مفاوضات سياسيّة واقتصاديّة مع العدو الصّهيوني في ظل اختلال موازين القوى واستمرار عدوانه”.
رفض بلا بدائل
لكن ما يستفزّ في هذا الشّعار، قبل أي شيء آخر، هو الفقر المذهل في البدائل. رفضٌ كاملٌ للمفاوضات، بلا أيّ تصوّر لما يجب فعله بدلًا منها، وتناسٍ للثّمن الّذي يدفعه النّاس يوميًا، بينما ترفع الشّعارات الرافضة للمفاوضات في بيروت.
اليوم هناك شلّال من الدّم في الجنوب والبقاع والضاحية، والخسارات تطال البشر والحجر في كل لبنان. والشّيعة يدفعون الفاتورة الأكبر، والدّولة اللّبنانية تحاول جاهدة إخراج البلد من حرب لا قرار لها فيها ولا أفق واضحًا لنهايتها.
إسرائيل تُقصف كل يوم، تستهدف وتغتال وتهدم البيوت فوق أصحابها. وهناك واقع لا يمكن تجاهله: لبنان مُنهَك، ومُستنزف، وخاسر عسكريًا ورغم ذلك، يطلّ الحزب الشّيوعي ليقول ببساطة: “لا للمفاوضات”.
حسنًا… ماذا بعد؟ ما هو البديل؟ ما هي الخطة؟ كيف نوقف القتل؟ كيف نحمي البشر؟ كيف نحمي ممتلكات النّاس؟
الشّعار هو الغاية
لا جواب طبعًا، فالشّعار هو الغاية بحد ذاتها وليس وسيلة. إنّ هذا الرّفض غير المشروط للمفاوضات عنادٌ طفوليٌ واستهلاكٌ إعلامي ليس إلا. هو رفض من أجل الرّفض، من أجل تسجيل موقف، من أجل البقاء ضمن قاموس شعاراتي انقرضت ظروفه. رفضٌ يتعايش مع النّزيف لخدمة الإيديولوجيا، بدل أن يسعى إلى فتح بابٍ ضيّقٍ للنّجاة على حساب الإيديولوجيا.
لا جملة واحدة في دعوة الحزب الشّيوعي تشير إلى حلّ، أو مقاربة، أو حتى قراءة واقعيّة لما يجري. فقط: “لا”. والأخطر أنّ هذا الشّعار لا يردع إسرائيل، ولا يوقف النّار، ولا يحمي النّاس. كلّ ما يفعله أنّه يمدّد زمن المأساة.
محاولة لامتلاك السيادة
في المقابل، تقف الدّولة اللّبنانية، ولأوّل مرة منذ سنوات، أمام محاولة لفتح نافذة ضيّقة في جدار الحرب، وفي امتلاك سيادتها سواء فيما يتعلق بإسرائيل أو بسوريا أو مع كل ما يحيط بها (اتفاقية ترسيم بحري مع قبرص)، عبر السّعي إلى مفاوضات هدفها الأول وقف هذه المقتلة المستمرّة. سواء نجحت هذه المحاولة أو فشلت، فهي تبقى خطوة لإنقاذ الأرواح ويجدر دعمها. ومن الطبيعي، بالتّوازي، محاسبة الدّولة أو مناقشتها أو انتقادها.
الدولة ليست العدو
بالعودة أسابيع إلى الوراء، خرجت تظاهرة في شارع الحمراء تدعو إلى “المقاومة”. وعلى السّوشيال ميديا انطلقت خطابات تهاجم الرّئيس نوّاف سلام!، هل يقف نوّاف سلام فعلًا عثرة أمام المقاومة؟! تفضّلوا، من يريد حمل البندقيّة فليتوجّه إلى الجنوب ويُكمل المقاومة: “ما حدا مانعكن”.
لكن المشكلة التّوهيميّة هي نفسها، تُعاد وتُستنسخ دائمًا: يتمُّ استبدال الحقيقة بسرديّة منافية للواقع. يُحمَّل نواف سلام مسؤولية “منع المقاومة”، بدل الاعتراف بأنّ هناك خسارة وقعت، وأنّ إسرائيل، وليس الدّولة اللبنانية، هي الّتي تمنع المقاومة وتفرض إيقاع المعركة، وبأنّ بعض الخطابات تفضّل الاستقواء على الدّولة وتصويرها كعدو بديل. بينما المعطيات الميدانيّة واضحة ولا تكذب: هناك حرب كسبتها إسرائيل، وحرب هُزمت فيها المقاومة. ونحن نعيش تداعياتها الكارثيّة.




