الرّبيع العربي استحال فوضى… في غياب “الوعي”

لم يكن الربيع العربي خطأً تاريخيًّا ، كان لحظة نادرة كسرت جدار الخوف، وفتحت باب السّؤال: هل نستحق حياة أفضل؟
أسماء رزّوق – نقلاً عن فيسبوك
في الذّكرى الأولى لتحرير سوريا وسقوط نظام بشّار الأسد، كتبت أسماء رزّوق مقالًا على صفحتها الخاصّة على فيسبوك، قالت فيه إنّ الرّبيع العربي لم يكن خطأً تاريخيًّا، بل لحظة نادرة كسرت جدار الخوف، وفتحت باب السّؤال: هل نستحق حياة أفضل؟
لا ربيع من دون وعيٍ شعبي
وتابعت رزّوق قائلةً، الحقيقة المُرّة أنّ الرّبيع لا يكتمل ولن يكتمل، دون وعيٍ شعبي قادر على حماية زهوره. فحين يغيب الوعي، يتحوّل التحرر إلى فوضى، وتتحوّل السّاحات إلى ميادين اقتتال، وتتحوّل أحلام الشّعوب إلى مسرح لصراع الدّول الكبرى وتصفية الحسابات.
نعم، نحن أبناء أرضٍ تكالبت عليها الأطماع، من الدّاخل ومن الخارج. دولٌ عظمى صنعت لنا حكّامًا على مقاس مصالحها، وزرعت بيننا حدودًا وولاءات وانقسامات، وفي الوقت ذاته، ساهمت أنظمة محليّة في تكثيف الجهل وترسيخه، فصنعوا لنا مجتمعًا معلّقًا بين خرافةٍ تُغذِّي سلطتهم، وأميّةٍ تُعطّل قدرته على المستقبل.
مأساة فوق مأساة
وأضافت رزّوق، هكذا عشنا مأساة سياسيّة فوق مأساة فكريّة.
ولكي نفهم حجم الخراب العربي، يجب أن نرى الصورة كاملة، لسنا أمام سقوط أنظمة فقط، نحن أمام سقوط منظومات كاملة — تعليم هش، إعلام مُسيطر عليه، خطاب ديني مسيَّس، ثقافة تخاف السّؤال، وذاكرة جمعيّة تتعرّض للتحريف كل يوم.
وبهذا يصبح الشعب المقهور مهيأً لأن يُعاد تشكيله وفق رغبات من يملك القوة، لا وفق احتياجاته الحقيقيّة.
الخوف ليس قدرًا
وتؤكّد رزّوق، أنّه رغم هذا كلّه، يبقى الرّبيع العربي أعظم حدث سياسيّ في تاريخ المنطقة الحديث، لأنّه جعل الشّعوب تعرف قوّتها، وأثبت أن الخوف ليس قدرًا، وأنّ الصّمت يمكن أن يموت. غير أن الدّرس الأعمق الّذي كشفته التّجربة هو أن الثّورة بدون وعي تتحوّل إلى حرب أهلية، والحريّة بدون مؤسّسات تتحوّل إلى فوضى، والديمقراطية بدون تعليم تتحول إلى مسرح دمى.
المهمّة الأصعب
هنا تأتي المهمة الصّعبة وفق رزّوق، هي لم الشّمل الفكري قبل السّياسي، إعادة بناء الإنسان قبل الدّولة وتحرير العقل قبل تحرير الحدود.
وتضيف، لا معنى لثورة تُسقط طاغية وتُبقي الشعب جاهزًا لطاغية جديد.
ولا معنى لحكومة انتقاليّة بلا ثقافة انتقاليّة، ولا لدستور بلا مواطن يعرف لماذا يقرأه.
الطريق من هنا
وتشير رزّوق في مقالها، إلى أنّ الطّريق يبدأ من مناهج تُعيد الإعتبار للتّفكير النّقدي، إعلام حرّ لا يخضع لعصبيّة حكوميّة أو مذهبيّة، مجتمع مدني يحمي النّاس من الحكم الفردي ومن التّدخل الخارجي، ووعي جماعي يدرك أنّ الحرّيّة مسؤوليّة، وأنّ الدّولة ليست غنيمة، بل عقدٌ أخلاقي بين الناس.
لا تثوروا بلا مشروع
وتلفت رزّوق إلى أنّ الرّبيع العربي لم يكن لعنة، بل اللّعنة هي أن نقف عند نصف الطّريق، اللّعنة هي أن نثور بلا مشروع، أن نحلم بلا وعي، أن نعيد تدوير الاستبداد بأسماء جديدة.
وتختم رزّوق مقالها بالقول، إنّ النّعمة الحقيقية أن نفهم اليوم ما لم نفهمه بالأمس، أنّ الأوطان لا تُبنى بالرّكض خلف زعيم، بل ببناء وعيٍ قادر على محاسبة أي زعيم، وأن مستقبل الشّرق لا يصنعه من يملك السّلاح الأقوى، بل من يملك الفكرة الأذكى.
نحن لا نحتاج “ربيعًا‘‘ جديدًا بقدر ما نحتاج “إنسانًا‘‘ جديدًا — إنسانًا يعرف أن الثّورة ليست لحظة غضب، بل مشروع نهضة، وأنّ الحريّة ليست فوضى، بل وعي.



