حرب الإسناد: حين قلب الحزب الطّاولة.. على أهله

قلبت ‘‘حرب الإسناد‘‘ المشهد رأسًا على عقب. ليس لأنّ معادلةً تغيّرت فحسب، ولا لأنّ أحلامًا تبدّدت، بل لأن سردياتٍ كاملة تُليت على المنابر والشّاشات أسبوعيًا، سقطت دفعةً واحدة. صدّقها معظم الشّيعة وأهل الجنوب، وانتظروا على مدى عشرين عامًا تحقيق وعدٍ بعد وعد، ونصرٍ بعد نصر.
من وعدٍ إلى وهم
على مدى عقدين، قيل إنّ الانتصارات تتراكم: من ‘‘نصر‘‘ في سوريا، إلى ‘‘نصر‘‘ في اليمن والعراق، وصولًا إلى شدّ الرّحال نحو قبرص، ثم المنازلة الكبرى مع إسرائيل، وشقّ طريق القدس عبر الجليل. لكن كل ذلك انهار خلال ثمانٍ وأربعين ساعة، قاضيةً على بنيةٍ كاملةٍ شُيّدت هيبتها وحالتها طوال عشرين سنة على حساب حلم ومستقبل طائفةٍ بكاملها، ولا سيّما شبابها، وعلى حساب دولةٍ تعطَّل قيامها واحتُجز قرارها رهينة تلك السّرديات والأوهام.
الحقيقة الأصعب
دعونا من كل ما سبق. أمامنا اليوم حقيقة أخرى، أشدّ قسوة، لا ندرك عمقها إلا إذا فلفشنا باطنها. حزب الله يقول إنّ سلاحه ‘‘مقاومة‘‘ ولن يسلّمه إلى الدّولة. لكن ماذا بعد إعلان وقف النّار؟ لم تُطلق رصاصة واحدة. في المقابل، تحتل إسرائيل مواقع جديدة خارج مزارع شبعا الّتي اتُّخذت ذريعةً دائمةً لبقاء السّلاح. ومنذ أكثر من عام، اتُّخذ عمليًا قرارٌ بعدم القيام بأي فعلٍ مقاوم، ولا حتّى الرّدّ على اغتيال العناصر والقادة وضرب المواقع.
مشهدٌ مقلوب
ليست المرارة هنا نظرية، هي مرئية على سطح أرض الجنوب، يلمسها كل جنوبي فقد ابنه أو بيته أو رزقه ومستقبله. يرى أنّ إسرائيل -بجيشها المحتل- تقود منذ عام “فعلًا مقاومًا” من حيث التّقنية: تغيّر أماكنها، تتسلّل، تقتل، تنفّذ عمليات على أرضنا ضدّ حزب الله، من دون أي ردّ، وتواصل ذلك يوميًا. كأننا أمام مشهدٍ معكوس: العدو يمارس ما كانت ‘‘المقاومة‘‘ تمارسه كحقٍّ على أرضٍ محتلة، فيما المحتل اليوم هو من يمارس هذا الفعل.
مكابرة قاتلة
أمام هذه الحسرة، تستمرّ المكابرة القاتلة، بلا أي اعتراف – ولو بالحد الأدنى – بهزيمةٍ أو فشل: لا سياسيًا، ولا عسكريًا، ولا اجتماعيًا ومعيشيًا. سقطت كليًا آليات الصّمود وتأمين العيش على أرضٍ فقدت مقوّمات الصّمود، ومع ذلك، لا مراجعة ولا محاسبة.
سؤال الأيام المقبلة
في إنتظار ما تحمله الأيام، يبقى السّؤال على ألسنة النّاس: هل نكتفي بالعيش على بصيص أمل الدّولة والشّرعية؟ أم تُضاف إلى جعبة الجنوبيّين فاتورةٌ جديدة، وصولًا إلى الكارثة الأخيرة؟




