بيت أبي في ميس الجبل: ما لا تُرمّمه الحروب ولا يعوّضه المال

بعض البيوت لا تُسكن، بل تسكننا.
وبعض الخراب لا يُقاس بما تهدّم من حجارة، بل بما انكسر في الذاكرة.
لطالما التقطتُ صور منزلنا القديم في ميس الجبل من الخارج: الزيتونة، التوتة، والبرندا. وكأن الداخل، داخلي أنا، ليس مشرعًا للعرض العلني.
اكتشفتُ هذه الصورة اليوم. التقطتها منذ أكثر من عشر سنوات. يجلس أبي تمامًا أمام الطاولة، الطاولة نفسها التي أُزيحت يوم وُضع جثمانه لوداعه الأخير.
اكتشفتُ كم أشتاق لرائحة البيت، وكم أن البيت لم يعد على حاله؛ متواضعًا، بسيطًا، كما كان.
لم أزر القرية ولا البيت منذ اندلاع مهزلة «الإسناد». لم يسلم المنزل من الحرب. ناله الخراب والعفن، تهالكت جدرانه، وفقد بعض أعمدته.
لم أذهب، كي تبقى هذه الصورة في ذهني. صورة البيت الذي بناه أبي قبل أن أرى الحياة، ورحل عنها، وكان البيت ما تركه لي.
بيت بُني باللحم الحي
بيت الضيعة هذا، بناه أبي باللحم الحي. أرضه إسمنتية لم تعرف الرخام. جدرانه طبقات طلاء تكشف ألوانًا راجت في الخمسينات والستينات والسبعينات. ومنذ أوائل الثمانينات، بقي الطلاء على حاله، بلا أي تجميل.
لم تكتمل غرفه، ولم تُشطّب. فصرنا نملك «أوضة البير»، و«الأوضة النصانية»، و«أوضة الكراكيب». ثلاث غرف ما زالت تنتظر ورقة الباطون، والنوافذ، والأبواب.
حين يخطئ المال العنوان
قال لي أحد الأقرباء أثناء الحرب ألا أقلق. قال إنهم سيدفعون ثمانين ألف دولار إن تدمّر المنزل. ضحكتُ، وأشفقتُ، لأن بعضنا يظن أن المال عِوَض، وأن في الترميم وإعادة البناء زوالًا للخراب.
هذا المنزل لم ينحنِ للإقطاع، ولا للتعصّب، ولا للمال. خرج منه فكر سياسي واجتماعي ونقابي. ونجح أن يبقى بعيدًا عن الزبائنية والمحاصصات. بقي في صلب البلدة، ويشبهها، يشبه أصلها وجذرها.
حبّ بلا عزاء
نحب الضيعة، ولا نحب ما حلّ بها.
ولا عزاء في ما حلّ.
رابط النصّ الأصلي على فيسبوك




