عماد أمهز بين الأسر والاعتراف: ضغط التحقيق أم انهيار إنساني؟

منذ اختطاف عماد أمهز من البترون خلال الحرب على لبنان، والجدل لا يزال مفتوحاً حول ظروف اعتقاله وظهوره لاحقاً في فيديو يعترف فيه بهدوء لافت. وبين الرواية الأمنية والبعد الإنساني، يبقى التحقيق قادراً على تحويل الأسير إلى حالة نفسية معقّدة تحتاج قراءة متأنّية.
منذ اللحظة الأولى لاختطاف رئيس القوّة البحرية في حزب الله عماد أمهز على يد جيش الاحتلال الإسرائيلي، انشغل الرأي العام بالتحليل والتأويل، فيما نفى حزب الله أي علاقة تنظيمية به، وربما فضّل الصمت أملاً بأن يصمد الرجل ولا يعترف. لكن هذا الاحتمال تراجع عندما ظهر أمهز في فيديو يتحدّث فيه بهدوء، وبعبارات مرتّبة ونبرة واثقة، ما فتح الباب واسعاً أمام الأسئلة حول شخصيته وظروف التحقيق.
أساليب الضغط النفسي
من الطبيعي الافتراض بأن أي أسير يتعرّض لضغوط قاسية، نفسية وربما جسدية، وهو كأي إنسان من لحم ودم يشعر بالألم والخوف والإنهاك. لكن السؤال الجوهري هو: ما الذي جرى حتى أدلى أمهز باعترافاته؟ تشير المعطيات إلى أنّه واجه ملفاً أمنياً ضخماً جُمِع عنه مسبقاً، يتضمّن متابعة دقيقة لتحركاته وأدواره، ما جعله أمام معطيات يصعب إنكارها، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع أساليب ترهيب وترغيب معروفة في غرف التحقيق.
انقسام الرأي العام
انتشار الفيديو أدّى إلى انقسام طبيعي في لبنان: فريق رأى فيه محاولة لكسر معنويات الآخرين، وفريق اعتبر أنّ الاعتراف انتُزع تحت الضغط والتعذيب، فيما رأى آخرون أنّ الرجل سقط تحت وعود بتخفيف معاناته. كما لا يمكن تجاهل براعة المحققين النفسيّة، مقابل إنسان لم يتهيأ يوماً لأن يقع في قبضة عدوه.
العزلة والصدمة بعد الحرب
قبل أسره، عاش أمهز أجواء حرب قاسية شهدت اغتيالات واستهدافات واسعة. وربما جرى إقناعه داخل الزنزانة بأن الحزب تفكّك وقُتل قادته، فدخل في عزلة نفسية عميقة جعلته يشعر بأنه وحيد بلا سند، ما قد يكون دفعه إلى القبول بتسجيل الفيديو باعتباره المخرج الأقلّ كلفة.
تجربة شخصية في المكان نفسه
هذا التحليل مستند أيضاً إلى تجربة شخصية عشتها في أقبية التحقيق نفسها على مدى نحو أربعة أشهر، حيث طُلب مني مراراً الظهور على التلفزيون الإسرائيلي بحجة طمأنة العائلة ثم طلب العفو مقابل تخفيف الحكم، وهو ضغط تكرّر عشرات المرّات ورفضته حتى يئسوا من الأمر. ومع ذلك، تبقى لكل أسير ظروفه وخلفيته وقدرته على الاحتمال.
الإنسان بين الصمود والانكسار
الإنسان يظلّ إنساناً، لكنه يُصقل في أقسى الظروف. قد يصمد واحد وينكسر آخر، ولا يجوز تحويل التجارب إلى معيار واحد للحكم على الناس.
في النهاية، تبقى الأمنية الأسمى أن يعود عماد أمهز وجميع الأسرى إلى وطنهم، ليعيشوا في أمان وطمأنينة بعيداً عن قسوة الأسر والتحقيق.




