سوريا الموحّدة… وسقوط سرديّة التّفتيت

يقدّم التّفاهم الّذي جرى بين “قوّات سوريا الدّيمقراطية” والرّئيس أحمد الشّرع، مادّة إضافية للطّعن في واحدة من أكثر السّرديّات تداولًا في خطاب الممانعة، أي نظريّة المشروع الصهيو- أميركي الهادف إلى تفتيت المنطقة إلى كانتونات طائفية وعرقية.
لو كانت واشنطن، فعلًا، تسعى إلى تقسيم سوريا، لما وُجدت لحظة أكثر ملاءمة من مرحلة سقوط نظام بشّار الأسد، حيث كانت البلاد مشرّعة على احتمالات التّفكك: دولة سنيّة في الوسط، كيان كردي في الشّمال، كيان درزي في الجنوب، وآخر علوي على السّاحل.
سوريا موحّدة: سقوط نظرية التفتيت
لكن ما حصل بدا معاكسًا لهذا السيناريو. إذ مارست الإدارة الأميركيّة برئاسة دونالد ترامب، ضغوطًا مباشرة على الأطراف المعنيّة باتجاه الحفاظ على وحدة سوريا. ونتج عن الاتفاق، الإقرار بالحقوق التّاريخيّة للأكراد، واعتبارهم مواطنين كاملي الحقوق، واعتبار اللّغة الكرديّة لغة رسميّة في الدّولة.
هذا المسار يضعف سرديّة “المؤامرة الجاهزة” الّتي علكت سنوات طويلة، ويشير إلى أن خطر التّقسيم لم يكن بالضرورة مفروضًا من الخارج، بل كان يجد جذوره في ديناميّات محليّة داخليّة، غذّتها الحرب، والانقسام المجتمعي، وتضارب المصالح بين القوى السّوريّة نفسها. في المقابل، تلاقت الضغوط الأميركيّة مع الموقف التّركي الرّافض لأي تقسيم جغرافي لسوريا، لا بدافع الحفاظ على وحدة البلاد بقدر ما هو خوف من قيام كيان كردي مستقل على حدودها.
المناعة الدّاخليّة
ويعزّز هذا الاتفاق الجديد فكرة أن واشنطن ليست “سوبرمان”، وأنّها لا تستطيع القفز فوق الإرادات الإقليميّة العربيّة والتّركيّة. كما يثبت أن المصالح العليا للإدارة الأميركيّة ليست محكومة، بالضرورة، بمصالح الكيان الإسرائيلي. فالرّغبة الإسرائيليّة تتعارض مع ما ينسجه ترامب، وإن كان الأخير يحرص على حفظ مصالح إسرائيل، لكن من دون أن يكون ذلك على حساب المصالح الأميركيّة الحيويّة في المنطقة، ولا سيما علاقات واشنطن مع العرب والأتراك. من هنا فإنّ وحدة الموقف اللّبناني، والوقوف خلف الأشقّاء العرب، إنّما له كل التّأثير في حماية لبنان.
يقدّم التّفاهم الّذي جرى بين “قوّات سوريا الدّيمقراطية” والرّئيس أحمد الشّرع، مادّة إضافية للطّعن في واحدة من أكثر السّرديّات تداولًا في خطاب الممانعة
البازار السّياسي لا يعترف بالمقدّسات
يأخذنا هذا الاتفاق، إلى مسألة بالغة الحساسيّة، مفادها أنّ “قسد” ستُلقي سلاحها، أي أنّ واشنطن دفعت باتجاه فرض الدّولة السّوريّة سلطتها على كامل أراضيها. ومن هنا، يتّضح أن “البازار السّياسي”، حين يُفتح على مصراعيه في لعبة الدّول، لا يعترف بـ”مقدّسات” ولا بما يُحيط بها من شعارات.
وانطلاقًا من ذلك، قد يفضي البازار الأميركي-الإيراني إلى نتائج مماثلة، عبر إذعان طهران لشروط واشنطن مقابل مكاسب حيوية للنظام، على حساب أطراف أخرى، من بينها حزب الله في لبنان. وعندها، يبرز السؤال الأشدّ إحراجًا: كيف سيبرّر حزب الله موقفه أمام جمهوره؟
الحرب.. حين تفشل الدّبلوماسية
أمّا إذا لم تُذعن طهران في المرحلة الرّاهنة، فإنّ التّبعات العسكريّة على النّظام قد تكون كارثيّة، ولن تقتصر آثار هذه الكارثة عليه وحده، بل ستمتدّ إلى لبنان والشّيعة، في حال قرّر حزب الله خوض غمار المواجهة إلى جانب النّظام الإيراني، خصوصًا وأنّ التّحليلات تشير إلى عدم عدول ترامب عن شن الضربة وإفساح المجال أمام قليل من الوقت لإيران، ومن ثم ترتيب الوضع العسكري والجهوزيّة في المنطقة بما في ذلك ضمان أقصى ما يمكن من ترتيبات لحماية إسرائيل، ومن بعدها “الطوفان”.
إقرأ أيضاً: الشّيخ نعيم يتوعّدنا بالدّفن الجماعي.. لننتصر..




