السّلاح الّذي يقتل أهله

لم يعد السّؤال في بيئتنا الشّيعية عن جدوى السّلاح سؤالاً سياسياً أو نظرياً، بل صار سؤال حياة يوميّة يطرحه النّاس على أنفسهم قبل أن يطرحوه على القيادات.
فحين يصبح ما رُفع شعاراً للحماية سبباً دائماً للخوف، يتحوّل النّقاش من خيار إلى ضرورة وجوديّة.
متى ستدرك قيادة الحزب وعناصره وجمهوره أنّ هذا السّلاح لم يعد كما قيل عنه يوماً «درعاً»، بل بات جزءاً من المشكلة اليوميّة الّتي يعيشها النّاس؟ المسألة لم تعد مرتبطة بموقف أيديولوجي ولا بتموضع سياسي، بل بحقيقة يلمسها الأهالي في بيوتهم وأرزاقهم وقلقهم الدّائم: هذا السّلاح صار سبباً مباشراً للخطر الّذي يهدّدهم، وحجّة جاهزة للعدو كي يواصل ضرباته بلا توقف.
الحرب الأخيرة، وما تلاها من سياق أمني مفتوح، قدّمت دليلاً قاسياً. لم يحمِ السلاح أحداً، ولم يمنع الاستهدافات، ولم يؤمّن ردعاً فعلياً. على العكس، أصبح وجوده هو التّبرير الدّائم لأي ضربة. حتى بلغ الأمر حدّ أنّ العدو، بكل وقاحة، بات يوجّه رسائل لمن يستهدفهم كي يبتعدوا عن عائلاتهم قبل تنفيذ الاغتيال، في مشهد مهين لا يدل على توازن ردع بل على انهياره. هنا لا يعود الحديث عن مقاومة، بل عن أفراد يُتركون وحدهم في مواجهة موت شبه معلن.
لم يعد السّلاح مصدر طمأنينة
الأخطر أنّ هذا الواقع ولّد حالة نفسيّة جديدة داخل البيئة نفسها: لم يعد السّلاح مصدر طمأنينة بل مصدر قلق. العائلات تخشى على أبنائها، والأمهات يترقّبن اتصالاً مجهول الرقم، والقرى تعيش على إيقاع التّوقّع لا الأمان. حين يتحوّل السّلاح من عنصر حماية إلى عنصر استجلاب للخطر، فهذا يعني أنّ وظيفته الأساس انقلبت، بدل أن يردع العدو، يمنحه الذّريعة. وبدل أن يحمي المجتمع، يضعه في خط النّار الدائم.
المسألة تصبح أكثر خطورة حين يُربط هذا السّلاح، كما يُعلن صراحة، بالدّفاع عن مصالح وسياسات إقليميّة إيرانيّة. عندها لا يعود السّلاح لبنانياً في نتائجه، بل لبنانياً فقط في أثمانه. أي مواجهة كبرى لن تقع في طهران ولا في العواصم البعيدة، بل في قرانا ومدننا وبيوتنا. ولذلك ليس مستغرباً أن يتزايد الحديث عن خشية سوريّة من صواريخ إيرانيّة على تخومها، وما قد يستتبعه ذلك من تحوّل جغرافي جديد للنّار نحو البقاع هذه المرة.
نداء إنساني قبل السياسة
لهذا، يصبح النّداء اليوم إنسانياً قبل أن يكون سياسياً: اتركوا هذا السّلاح. أنقذوا ما تبقى من دماء العائلات وبيوتها وأرزاقها. لا تضعوا شبابكم على طاولة تفاوض المصالح الكبرى. لا تجعلوا أبناءكم أوراق ضغط في صراع دولي لا يملكون فيه قراراً ولا قدرة. العائلات أولى بأبنائها من أي شعار، والوطن أولى بشبابه من أيّ معادلة إقليميّة.
فليس عيباً أن تُراجع التّجارب، ولا هزيمة في إنقاذ النّاس. الهزيمة الحقيقيّة هي الإصرار على مسار ثبت أنّه يقود إلى الخسارة البشريّة المستمرّة. إحموا شبابكم من موت رخيص، وأعيدوا الحياة إلى مجتمع لم يعد يريد سوى أن يعيش.




