الحزب ومسؤوليّته عن انتشار العمالة في بيئته

لا يكادُ ينقضي أسبوعٌ أو أسبوعان حتَّى يعودَ خبرُ القبض على عميلٍ «شيعيٍّ» جديدٍ إلى واجهة الأخبار اليوميَّة. ومع كُلِّ عميلٍ جديدٍ، نرى ردَّة الفعل نفسِها لدى كثير من خصوم «الحزب» وأنصاره على حدٍّ سواءٌ.
ردَّةُ الفعل الأوليَّة لأنصار الحزب هي إعلانُ البراءةِ من هذا العميل، مِن قِبل عائلة العميل وقريته الّتي ينتمي إليها. وعلى الضفَّةِ الأخرى، فإنَّ ردَّة فعل الخصوم يُمكن تلخيصُها بما مُؤدَّاه: «العميل منكم وفيكم، وليس منّا نحن “شيعة السّفارات” كما كنتم تصفونَنا». وهذه ردّة فعل مفهومة ومبرَّرة. لكنَّ اللَّافت أنَّ كِلا الموقفَيْن يُسقطُ حسَّ البداهة. فالّذي يبحثُ عن العُملاء بين مُعارضيه، والذي يحتاجُ إلى دليلٍ أنَّ العُملاء كانوا داخل «بيئة» الحزب أو حتَّى داخل جسمه التّنظيمي، إضافةً إلى فئة المُتفاجئين من كلا الطرفَيْن؛ كلُّهم يتناسون السّؤال الأساس: أين يُفترض للعميل أن يكون أصلًا؟ بعبارةٍ أُخرى؛ هل يتوقَّعُ أحدٌ أنَّ العميل لـ «إسرائيل» سيُقدِّمُ نفسَه كـ «مُعارضٍ» للحزب الذي جُنِّدَ للتَّجسُّسِ عليه؟!
كيف ساهم «الحزب» بتغطية العملاء؟
في مُقابل هذا السُّؤال، ثمَّة واقعٌ لعلَّه الأكثر نفعًا للنِّقاش حوله، ولعلَّ «حزب الله» هو المعنيُّ الأوَّل بنقاشه لأنَّه المُستهدَف الأول بهذا الجيش من العُملاء. ويُمكن فتح هذا النِّقاش من خلال سؤال مفادُه: كيف ساهم «حزب الله»، أو بالأحرى مُجتمع الحزب، في تغطية العُملاء بعباءة الحزب نفسِه؟ فليسَ اللافت أن يكونَ العميلُ شيعيًّا ومن «بيئة» الحزب تحديدًا، ولا أن يكون العددُ كبيرًا، إذ أنَّ المُجنِّد هو أحدُ أكثر أجهزة المُخابرات نشاطًا في العالَم، الموساد. كما أنَّه ليس لافتًا أنْ يكونَ العُملاء من المُدافعين عن الحزب وشاتمي مُعارضيه أو من المُنشدين في مناسباتِه. إنَّما الّذي يستحقُّ النِّقاش فعلًا هو الدَّور الذي لعبَه «حزب الله»، عن غير قصدٍ طبعًا، في تسهيل عمل هؤلاء العُملاء. وأبرزُ النِّقاط التي يُمكن الحديث عنها هنا هُما: الصُّورة عن الذَّات والخوف.
لا يكادُ ينقضي أسبوعٌ أو أسبوعان حتَّى يعودَ خبرُ القبض على عميلٍ «شيعيٍّ» جديدٍ إلى واجهة الأخبار اليوميَّة
قدسيّة المناصرين
عندَ الحديث عن صورة أنصار الحزب عن ذاتهم، وهي من مشتركاته مع التّنظيمات العقائديَّة، نرى أنَّها تتمتَّع، عندهم طبعًا، بصفاتٍ أبرزها: القدسيّة، النَّقاء، الشَّرف، الطُهر، التَّماسك، الوحدة وغير ذلك من الصِّفات التي تصبُّ في المعنى ذاته. في المُقابل، نرى أنَّ صفات المُختلفين عنهم، بالنسبة لهم، هي: العمالة، الخيانة، معاداة الطّائفة وغير ذلك. تُساهمُ هذه الصُّورة المزدوجة في تسهيل بناء الثّقة بين العميل و«البيئة»، فبمُجرَّد أن ينتمي العميل إلى «أشرف النَّاس» من خلال إظهار الولاء والتّأييد والدِّفاع عن الحزب وقياداته يُصبحُ من السَّهل عليه أن يبني علاقاتٍ بين أنصار هذا الحزب، أو حتَّى مع مسؤوليه إن كان عميلًا مُحترفًا. وكذلك الحالة بالنِّسبة للعُملاء الذين هُم أساسًا من هذه «البيئة» لكن يتمُّ إغراؤهم لتقديم معلوماتٍ قد لا تحتاجُ إلى تدريب عالٍ للحصول عليها. وسببُ ذلك، أنَّ الانتماء إلى «البيئة» يُعطي صكَّ براءةٍ للمُنتمي. ليس هذا وحسب، بل يعطيه صكًّا بأجلٍ مفتوحٍ لا ينتهي إلَّا حين يُعلن حاملُه، بنفسِه، الخروج من هذه البيئة عبر اعتراضه، وهذا ما لن يفعلُه العميلُ طبعًا. من هُنا، قد تكونُ هذه القُدسية قد أقامت حاجزًا بوجه العميل إذا قرَّرَ أن يأتي بلباسٍ معارضٍ، لكنَّها في الوقت نفسِه جعلت مجتمع «حزب الله» هشًّا أمام العُملاء «الموالين له»، إن جاز التَّعبير.
الخوف والرّهبة
أمَّا النقطة الثّانية فهي الخوف الّذي زرعه «حزب الله» لدى مجتمعه، الخوف الظّاهر من جهة وذاك الذي يكون مُغطًّى بمعاني المحبَّة أو الرَّهبة من جهةٍ أخرى. فالخوف، بصورتَيْه، يُسهِّلُ عمل العُملاء ذوي التّدريب العالي، أو حتَّى ذوي العلاقات مع مسؤولي الحزب، وطبعًا يسهِّلُ عملَ العُملاء الذين يشغلون مناصب في الحزب، إذا صحَّتْ سرديَّة «الخرق البشري» و«العمالة» التي تُقال عندَ الحديث عن اغتيال قيادات «حزب الله» بدءًا بالسَّيِّد نصر الله وليس انتهاءً بقادة الصَّف الأول والثّاني. على سبيل المِثال، ذُكر أنَّ مجموعة من الجواسيس الإسرائيليّين دخلوا إلى الضاحية الجنوبيّة لبيروت وقاموا بعمل ميدانيٍّ خلال عمليّة اغتيال السّيّد نصر الله. بغضِّ النَّظر عن صحَّة هذا الخبر، يبقى أنَّه أسهل من أن يُقال عنه مُستحيل. فلو افترضنا أنَّ بعض «الأهالي» من سكَّان الضَّاحية أوقفوا هذه المجموعة، أثناء خروجها من الضاحية، وسألوها عمَّا تفعلُه وأجابت بأنها «أمن حزب الله»، أو ما يُعادلُ هذا الجواب، هل سيجرؤ أحدٌ من النَّاس على الاستمرار في اعتراضها؟
دفع الثّمن
لا شكَّ أنَّ «حزب الله»، عن قصدٍ أو غير قصدٍ، قد استفادَ كثيرًا من الحالة التي خلقَها في مجتمعه، لكنَّه يدفعُ، ويُدفِّعُ مجتمعه والطَّائفة الشِّيعيَّة والبلد كلَّه، كلفةً عاليةً يجوزُ أمامَها السُّؤال: هل كان الأمرُ يستحقُّ كُلَّ هذا؟!
إقرأ أيضاً: بعد الجدل.. صدور وثيقة وفاة “أمين عام الحزب”




