في قاعة سينما بغدادية تطل على دجلة، عاد فيلم “سعيد أفندي” بعد سبعين عاماً ليجمع جيلين حول شاشة واحدة. رحلة ترميم فرنسية – عراقية تعيد للعراق فيلمه الأوّل في “كان”، وتفتح باباً لاستعادة 103 أفلام أخرى من الذاكرة المفقودة.
لم تكن السدارة ولا عباءات النساء ولا زبون الرجال البغداديين موجودة على أجساد المشاهدين، لكنّها حضرت بقوة في روح الفيلم الذي عاشوا فيه لنحو 90 دقيقة، كأنّهم يسافرون عبر الزمن إلى أجواء خمسينيات القرن العشرين برفقة “سعيد أفندي” ورفاقه في أزقّة ودرابين بغداد القديمة.
أقدم أفلام السينما العراقية
حين بدأ عرض فيلم “سعيد أفندي” (بطولة الراحلين يوسف العاني وجعفر السعدي وآخرين)، أحد أقدم الأفلام السينمائية العراقية، على شاشة قاعة “المعهد الثقافي الفرنسي” بجادة أبو نوّاس المطلّة على نهر دجلة برصافة بغداد، ضمن مشروع ترميم الأفلام الكلاسيكية العراقية بدقة عالية، تسمّرت وجوه الحاضرين من جيل الشباب أمام الشاشة، وأصاخوا السمع لمفردات بغدادية اندثر الكثير منها تحت وطأة الحداثة، بينما استعاد كبار السن، ممن شارف بعضهم على السبعين سنة، ذكريات طفولتهم البسيطة من خلال شريط أسود وأبيض نابض بالحياة.
ورافق المشاهدون، وهم على مقاعدهم، “سعيد أفندي” وزميله “عزت أفندي” في يومياتهما ببغداد القديمة وشوارعها الخلفية وحاناتها والسكارى البسطاء ومدارسها البدائية، وعايشوا ذات المشاكل التي يعاني منها أغلب العراقيين، ومنها أزمة السكن والشجار بين الأطفال، دون إغفال مساحة التسامح والتعايش بين البغداديين رغم اختلاف طبقاتهم الاجتماعية وخلفياتهم الثقافية.
سفارة فرنسا والأرشيف العراقي
لم تكن باريس بعيدة عن ذلك المشهد البغدادي الجميل، فلجأت عبر سفارتها في بغداد إلى التعاون مع المركز العراقي للأرشيف والذاكرة العراقية ومشروع سينماتك العراق، لإحياء وإنعاش جانب من الثقافة العراقية، ولا سيما قطاع السينما، عبر ترميم الأفلام بتقنية 4K في “المعهد الوطني للسمعي البصري” بفرنسا، اعتماداً على “النيغاتيف” الأصلي للفيلم.
السيد صاموئيل ميم، الذي يتولّى بالنيابة إدارة المعهد حالياً ويشغل منصب الملحق الثقافي الفرنسي، تحدّث عن “التعاون بين بغداد وباريس، الذي يعكس الاهتمام المشترك بالموروث الثقافي المهم للأجيال الحالية والمقبلة”، وتمنّى أن يكون نجاح المشروع “بداية لدعم الذاكرة العراقية وتحفيز القدرات الخلاقة”.
ومع أنّ المخرج كاميران حسني، الذي أنتج الفيلم عام 1956، لم يكن حاضراً بجسده بعد سبعة عقود، لكنّه حضر بحفيدته التي تعيش خارج العراق، إذ بعثت رسالة مصوّرة كتحية خاصّة لروح صنّاع الفيلم.
منصّة حكومية لحماية الأرشيف العراقي
كلّ هذا وسط حرص من حكومة العراق على إحياء التراث السينمائي العراقي وحمايته، والبحث عن المفقود منه وإعادته إلى سابق عهده، بعد ضياع الكثير عقب الغزو الأمريكي في 2003.
إذ يخطط “المركز العراقي للأرشيف والذاكرة العراقية” لإنشاء منصّة تختص بتغطية شاملة لكل الإنتاج السينمائي العراقي بمختلف الحقب، والعثور على الأفلام المفقودة، حيث يُعدّ فيلم “سعيد أفندي” واحداً من ضمن 104 أفلام.
ويقول الدكتور حسن السوداني، مدير المركز العراقي للأرشيف والذاكرة العراقية، إن “فيلم سعيد أفندي يمثل رحلة إلى بغداد الخمسينيات، بأفراحها وأحزانها وأزقتها الضيقة ومحالها ومدارسها وجوامعها ونسائها ومطرباتها”، لافتاً إلى أنّ “العراق، وبالتعاون مع فرنسا، اتّخذ قراره بإزاحة غبار السنين عن أرشيفه ليبقى حياً لذاكرة الأجيال كونها ذاكرة وطن”، مبيناً أن “حفظ الذاكرة والهوية هو صيانة لإرث الأمة والإنسان”.
الإنجاز… إلى مهرجان “كانّ”
مثّل هذا الفيلم العراق للمرّة الأولى في تاريخه في مهرجان “كانّ” السينمائي الدولي، في دورة 78 العام الماضي، وحصد إحدى الجوائز المهمة، بعد انتهاء عملية ترميم الفيلم التي استغرقت أكثر من شهرين، وفقاً للفنان وارث كويش، مدير مشروع سينماتك العراق.
وأضاف كويش أنّ “مشروعنا يهدف إلى حفظ التاريخ السينمائي وترميم المتضرر منه عبر أحدث الطرق للحفاظ على التراث السينمائي والوفاء لصناع الأفلام”.
وحينما همّ المشاهدون بمغادرة مقاعدهم بعد انتهاء العرض الذي أنعش ذاكرتهم، ساد شعور كبير بأنّ الماضي يأبى أن يغادرهم، حتى ولو كان على شكل فيلم سينمائي أعاد أرواح البغداديين إلى أزقتهم المندثرة بعد غياب طويل.
اقرأ أيضاً: لعنة الممرّات المائية: حرب إيران وكلفتها على الخليج والصين