بين شاشة كورونا وإقفال اقتصادي وحرب أخرجت الأطفال من صفوفهم، تراكمت الانقطاعات حتى صار بعض التلامذة يتعثرون في حروفٍ كان يفترض أن يتقنوها منذ سنوات. واليوم، بينما تحاول المدارس تعويض ما فات، يبقى السؤال: من يملك القدرة على الالتحاق بالركب، ومن يتخلّف عنه بسبب كلفة لا يقوى الجميع على تحمّلها؟
من التعليم عن بُعد خلال جائحة كورونا إلى الأزمة الاقتصادية والحرب، عاش أطفال لبنان سنوات من التعليم غير المستقرّ. وبينما تُحاول المدارس اليوم معالجة ما فات، تظهر لدى عدد من التلاميذ فجوات في مهارات أساسية، فيما يجد الأهل أنفسهم أمام أقساط مدرسية مرتفعة وكلفة إضافية للدروس الخصوصية.
لم تكن السنوات الدراسية الأخيرة عادية بالنسبة إلى أطفال لبنان. فمنذ جائحة كورونا وإغلاق المدارس والانتقال إلى التعليم عن بُعد، مرورًا بالأزمة الاقتصادية وتداعياتها على القطاع التعليمي، وصولًا إلى الحرب وما رافقها من نزوح واضطراب في الدراسة، عاش كثير من الأطفال سنوات تعليمية متقطعة.
لكن أثر هذه السنوات لا يظهر فقط في عدد الأيام التي غاب فيها التلميذ عن مقعده الدراسي. ففي بعض الحالات، تظهر الفجوة في مهارات يُفترض أن تكون قد ترسخت في السنوات الأولى، كالقراءة والكتابة والتعرّف إلى الحروف.
عندما تظهر الفجوة في القراءة
بالنسبة إلى ريما، وهي أم لتلميذ يبلغ 9 سنوات، بدأت المشكلة تظهر بوضوح مع تقدّم ابنها في سنواته الدراسية.
فقد بدأ تعليمه في السنوات الأولى خلال فترة جائحة كورونا والتعليم عن بُعد، قبل أن يعود لاحقًا إلى التعليم الحضوري، ثم يواجه مجددًا اضطرابات في الدراسة نتيجة الأوضاع الأمنية.
تقول ريما إنها لاحظت لدى ابنها صعوبة في التعرّف إلى بعض الحروف وربطها ببعض لتكوين الكلمات، إضافة إلى بطء في القراءة وصعوبة في فهم ما يقرأه.
وللتأكد من عدم وجود مشكلة محددة، لجأت إلى اختصاصي في النطق واللغة (Orthophoniste) لتقييم وضعه. ومع المتابعة، أدركت أنّ الصعوبة لا ترتبط بمشكلة جديدة محدّدة، بقدر ما تكشف عن ضعف في بعض المهارات الأساسية التي كان يفترض أن تكون قد ترسخت خلال السنوات الأولى من التعليم.
ولم تقتصر ملاحظاتها على ابنها، إذ لاحظت وجود صعوبات مشابهة لدى بعض زملائه، ما دفعها إلى الاستعانة بدروس خصوصية في اللغة العربية والفرنسية لمساعدته على تقوية مستواه.
ماري عازار: الصفوف الابتدائية هي الأكثر تأثرًا
داخل قاعات التدريس، تبدو بعض هذه الفجوات أكثر وضوحًا. وتؤكد ماري عازار، معلمة اللغة العربية، أنّ الصفوف الابتدائية كانت الأكثر تأثرًا خلال سنوات التعليم غير المستقر، باعتبارها مرحلة تأسيسية في مسيرة الطفل التعليمية.
وتوضح عازار في حديث لموقع “الدّولة”، أنّ التلميذ في هذه المرحلة يكتسب الحروف الهجائية مع أصواتها وأشكالها، وهي مهارات أساسية يُبنى عليها لاحقًا تعلّم القراءة والكتابة.
وتؤكد أنّ التعليم عن بُعد أثّر بشكل واضح في مستوى التلاميذ، مشيرةً إلى أن عدم انتظام خدمة الإنترنت في لبنان زاد من صعوبة متابعة الدروس وجعل عملية التعلّم أكثر تعقيدًا.
ولا يقتصر الأمر، بحسب عازار، على ضعف عام في المستوى، إذ تضطر المعلمة بشكل متكرر إلى إعادة تعليم أشكال الحروف، لأنها لم تُكتسب بصورة جيدة خلال فترة التعليم عن بُعد.
وتشرح أنّ اللغة العربية تحتاج إلى عناية خاصة في هذه المرحلة، إذ إنّ للحرف الواحد أشكالًا متعددة بحسب موقعه في الكلمة، فيأتي في أولها أو وسطها أو آخرها، ما يجعل إتقان هذه المهارة أساسيًا للانتقال إلى القراءة والكتابة بصورة سليمة.
فاقد يمكن تعويضه… إذا عولج مبكرًا
رغم ذلك، لا ترى عازار أنّ الفاقد التعليمي أمر يستحيل تعويضه، شرط أن تتم ملاحقته في بداياته.
وتشدّد على أهمية التعاون بين المدرسة والأهل في اكتشاف نقاط الضعف ومعالجتها قبل أن تتحوّل إلى مشكلة أكبر.
وتقول إنّ كثرة الطلب على الدروس الخصوصية تعكس، في جانب منها، محاولة لتعويض هذا الفاقد، محذرةً من أن عدم معالجة الصعوبات في وقت مبكر يؤدي إلى تراكمها وانتقالها من سنة دراسية إلى أخرى، “وهنا تقع المشكلة”.
الحرب أربكت حتى المسار المدرسي
لم تقتصر تداعيات الحرب على إغلاق المدارس أو الانتقال إلى التعليم عن بُعد، بل طالت أيضًا انتظام المسار الدراسي للتلاميذ.
فخلال حرب 2024، اضطرت وزارة التربية إلى اعتماد نظام تسجيل مؤقّت واستثنائي للتلامذة النازحين، شمل تلامذة المدارس الرسمية النازحين إلى مراكز الإيواء أو إلى أماكن أخرى، إضافة إلى تلامذة المدارس الخاصة الموجودة في مراكز الإيواء أو المدارس المقفلة نتيجة العدوان، تمهيدًا لتوزيعهم على مدارس ومراكز تعليم استثنائية.
بالنسبة إلى بعض الأطفال، لم يكن الانتقال من مدرسة إلى أخرى مجرد تغيير في المكان، بل انقطاعًا في الاستقرار التعليمي نفسه. مدرسة أُغلقت، وأخرى تحوّلت إلى مركز إيواء، وتلميذ انتقل مع عائلته إلى منطقة أخرى، فيما وجد آخر نفسه أمام خيار التعليم عن بُعد.
هكذا أصبح بعض الأطفال أمام مسار دراسي غير واضح، بين التسجيل والتأجيل والنزوح وانتظار العودة إلى المدرسة الأم.
والأثر لا يقف عند حدود التحصيل
لا تقف تداعيات سنوات التعليم غير المستقر عند حدود التحصيل الأكاديمي. فاضطراب الروتين المدرسي وتكرار الانتقال بين التعليم الحضوري وعن بُعد والنزوح قد ينعكس أيضًا على تركيز الطفل ودافعيته للتعلّم وشعوره بالاستقرار.
لذلك، فإنّ تعويض ما فاته لا يحتاج فقط إلى دروس إضافية، بل إلى بيئة تعليمية مستقرّة تساعده على استعادة ثقته بنفسه وقدرته على التعلّم.
أقساط ترتفع… وأعباء تتراكم على الأهل
في وقت تحاول بعض العائلات معالجة الفجوات التعليمية لدى أبنائها، تبرز مشكلة أخرى لا تقل أهمية: كلفة التعليم.
فالقسط المدرسي ليس العبء الوحيد. هناك الكتب والقرطاسية والنقل، إضافة إلى الدروس الخصوصية التي يلجأ إليها بعض الأهل لتعويض ما فاتهم.
وتزداد المشكلة صعوبة عندما يكون لدى الأسرة أكثر من طفل، خصوصًا أن معالجة الفاقد التعليمي قد تحتاج إلى متابعة مستمرة، وليس إلى حصة أو حصتين فقط.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: التلميذ الذي يحتاج إلى دعم إضافي هو نفسه الذي قد يشكل الدعم المالي المطلوب له عبئًا إضافيًا على أسرته.
فبعض الأهل يستطيعون الاستعانة بمدرسين خصوصيين وحصص تقوية، فيما تجد عائلات أخرى نفسها عاجزة عن تحمّل هذه الكلفة، ما يجعل القدرة على تعويض الفاقد مرتبطة أيضًا بالقدرة الاقتصادية للأسرة.
ماذا عن دور وزارة التربية؟
في المقابل، لم تقف وزارة التربية والتعليم العالي مكتوفة الأيدي تمامًا أمام هذا الواقع. لكن استجابتها بقيت إلى حد بعيد إدارية وطارئة أكثر منها خطة تعويض منهجية وشاملة. فبالإضافة إلى نظام التسجيل الاستثنائي الذي اعتمدته خلال حرب 2024 للتلامذة النازحين، لجأت الوزارة إلى شراكات مع جهات دولية كالبنك الدولي، عبر برنامج “راس” (RACE) الذي موّل توسيع القدرة الاستيعابية للمدارس الرسمية ودعم برامج تعليمية مكثفة لفئات من التلامذة المتأخرين دراسيًا، إضافة إلى تعاون مع اليونيسف والاتحاد الأوروبي عبر صندوق دعم الابتكار في التعليم والتعلّم.
غير أن هذه المبادرات، بحسب متابعين للملف التربوي، تبقى مرتبطة بتمويل خارجي متقطع، وموجهة غالبًا إلى فئات محدّدة كالتلامذة اللاجئين أو النازحين، من دون أن ترتقي إلى خطة تعويض فاقد تعليمي وطنية وشاملة تطال كل التلامذة الذين تأثر مسارهم، وهو ما يجعل الجهد الأكبر في معالجة هذه الفجوة يقع، عمليًا، على عاتق المدرسة والأهل بمفردهم.
عن المدارس الرسمية
وإذا كانت الفجوة التعليمية طالت تلامذة المدارس الخاصة أيضًا، فإن التلامذة في المدارس الرسمية واجهوا تحديات إضافية ضاعفت من حجم الفاقد لديهم.
فخلال حرب 2024، تحوّلت غالبية المدارس الرسمية إلى مراكز إيواء للنازحين، إذ لم يبقَ خارج هذا الاستخدام سوى نحو 310 مدارس من أصل مئات المدارس الرسمية المنتشرة في لبنان، ما أدى إلى تراجع طاقتها الاستيعابية وتأخّر انطلاق العام الدراسي بالنسبة إلى آلاف التلامذة.
يضاف إلى ذلك أنّ أكثر من 70% من الهيئة التعليمية في القطاع الرسمي تتألف من معلمين متعاقدين، وهو وضع وظيفي هشّ انعكس تكرارًا لإضرابات مفتوحة، أبرزها الإضراب الذي شهده العام الدراسي 2024-2025 على خلفية الرواتب والتقديمات، فتوقفت الدروس لأسابيع في مدارس عدة.
هكذا وجد تلميذ المدرسة الرسمية نفسه أمام معادلة مضاعفة: فاقد تعليمي ناتج عن الأزمات نفسها التي عاشها أقرانه في المدارس الخاصة، لكن مع فرص أقلّ للتعويض، إذ إنّ الأسر التي تعتمد أصلًا على مجانية التعليم الرسمي هي غالبًا الأقل قدرة على تحمّل كلفة الدروس الخصوصية التي يلجأ إليها آخرون لسد الفجوة.
أزمة تتجاوز حالة فردية
تأتي هذه الوقائع في ظل دراسات حديثة ترسم صورة مقلقة عن واقع التعليم في لبنان، حيث تتحدث أبحاث عن استمرار تأثير الأزمات المتراكمة على استمرارية التعليم ونتائجه، وعن اتساع الفوارق بين التلاميذ.
وكانت جائحة كورونا قد عطّلت فرص التعليم لأكثر من 1.2 مليون طفل في سن الدراسة في لبنان خلال عام 2020، فيما استمرت تداعيات اضطراب العملية التعليمية خلال السنوات التالية.
ثم جاءت الأزمة الاقتصادية والحرب لتضيف تحديات جديدة، من ارتفاع كلفة التعليم والنقل والمواد المدرسية إلى النزوح وتضرر المدارس، ما جعل الوصول إلى تعليم منتظم أكثر صعوبة بالنسبة إلى عدد كبير من الأطفال.
من يعوّض ما فات؟
بين تجربة ريما وشبيهاتها، وبين ملاحظات ماري عازار داخل الصفّ، تتضح مشكلة واحدة: الفجوة التعليمية تصبح أكثر صعوبة عندما تتراكم من دون تدخل مبكر.
قد تستطيع بعض الأسر اللجوء إلى الدروس الخصوصية، لكنّ هذا الخيار ليس متاحًا للجميع، خصوصًا في ظلّ ارتفاع كلفة التعليم، ما يجعل قدرة الأهل على تعويض الفاقد متفاوتة من أسرة إلى أخرى.
إقرأ أيضاً: 100 ألف طفل جنوبي بين المدارس… بلا تعليم: حكاية مريم ونور