معاً نبني الدولة نحصّن المؤسّسات نحقّق العدالة نحترم القانون نحرّر الأرض

“ما بقى بدي ياه”… كيف تحوّلت أغراض اللبنانيين إلى سوق جديدة؟

المساعدة البصرية: حجم الخط

من فستان ارتُدي مرة واحدة إلى قطعة أثاث لم تعد تُناسب المنزل، ومن جهاز بقي مهملًا إلى كتاب انتهى صاحبه من قراءته، لم تعد الأشياء التي لم يعد أصحابها بحاجة إليها تنتهي بالضرورة في سلة المهملات.

 

في لبنان، تتوسع سوق بيع الأغراض المستعملة وتبديلها، في وقت دفعت فيه الأزمة الاقتصادية كثيرين إلى إعادة التفكير في قيمة ما يملكونه قبل التخلص منه. بيع الملابس والأثاث والأجهزة، شراء المستعمل، التبديل وإعادة الاستخدام، كلها ممارسات أصبحت أكثر حضورًا، فيما بدأ المستعمل بالنسبة إلى البعض يتحوّل من حل لتوفير المال إلى طريقة مختلفة في الاستهلاك.

لكن ثقافة المستعمل ليست جديدة على اللبناني. فأسواق البالة موجودة منذ سنوات، وكذلك متاجر الأوتليت التي تبيع قطعًا جديدة بأسعار مخفّضة. الجديد هو اتساع الخيارات، ودخول المتاجر المتخصصة ومواقع التواصل الاجتماعي إلى هذه السوق.

من البالة والأوتليت إلى الـSecond Hand

لطالما كانت البالة خيارًا لمن يبحث عن ملابس وأغراض بأسعار أقل، فيما شكلت متاجر الأوتليت فرصة لشراء قطع جديدة بأسعار مخفّضة.

اليوم، أضيف إلى هذه الخيارات سوق الـSecond Hand، من خلال متاجر متخصصة وصفحات ومجموعات إلكترونية تتيح للأفراد بيع أغراضهم أو تبديلها.

ولا يدخل الجميع هذا السوق بحثًا عن الأرخص. فهناك من يريد قطعة جيدة بسعر أقل، ومن يبحث عن موديل قديم أو قطعة Vintage لم تعد متوافرة في المتاجر، فيما يحاول آخرون التخلص من أغراض لم يعودوا يستخدمونها واستعادة جزء من المال الذي دفعوه فيها.

الفكرة بسيطة: ما لم تعد تحتاجه أنت، قد يكون بالضبط ما يبحث عنه شخص آخر.

تجربة بدأت من المنزل

في عام 2016، بدأت سمر بو عقل مشروع Why Go Less من منزلها. كان الإقبال كبيرًا، لكن التجربة لم تكن سهلة، خصوصًا أنها كانت في بداية الطريق ولم تكن تملك الخبرة الكافية لإدارة المشروع.

بعد نحو سنة ونصف، أغلقت المشروع، بعدما اكتشفت متطلبات لم تكن واضحة لها في البداية، من بينها الحاجة إلى استئجار محل والاستعانة بموظفة للمساعدة في العمل.

بعد سنوات، عادت بو عقل إلى المجال بخبرة أكبر، وافتتحت متجرها في 8 آب 2026.

اليوم، لا يقتصر المتجر على الملابس، بل يضم أغراضًا منزلية وقطع ديكور ومستحضرات تجميل ومنتجات لمختلف الأعمار والفئات.

وقبل أن تصل القطعة إلى الرف، تمر بعدة مراحل. يتواصل صاحبها مع المتجر عبر واتساب ويرسل صورها ومقاسها، أو يحضرها إلى موعد محدد. بعدها يفحصها ثلاثة أشخاص من فريق المتجر ويحددون السعر المقترح وفق معايير يعتمدها المتجر، مع الاستعانة ببرنامج للمساعدة في التسعير.

إذا وافق صاحب القطعة على السعر، تُعرض للبيع. وعند إتمام العملية، يحصل صاحبها على مستحقاته نقدًا أو عبر “WISH”، فيما يحصل المتجر على 50 في المئة من قيمة البيع.

فستان لمناسبة واحدة

ميرا واحدة من الأشخاص الذين وجدوا في هذه السوق حلًا عمليًا.

قبل مناسبة عائلية، اشترت فستانًا من أحد المحال بعدما وجدت أن الأسعار مرتفعة نسبيًا، حتى إن استئجار فستان لمناسبة واحدة لم يعد خيارًا قليل الكلفة. انتهت المناسبة، لكن الفستان بقي في الخزانة.

لاحقًا، اكتشفت ميرا متجرًا يبيع ويشتري الأغراض المستعملة، فتواصلت معه وعرضت الفستان للبيع. لم تكن تتوقع استعادة المبلغ الذي دفعته كاملًا، لكنها رأت أن بيعه أفضل من أن يبقى من دون استخدام.

توضح تجربتها مشكلة شائعة في ملابس المناسبات: قطعة قد تُشترى بمبلغ مرتفع وتُرتدى مرة أو مرتين فقط، ثم تبقى سنوات في الخزانة. إعادة بيعها تسمح باستعادة جزء من كلفتها، فيما يحصل شخص آخر على فرصة لاستخدامها من جديد بسعر أقل.

المستعمل لم يعد مصدر إحراج

تلاحظ بو عقل أن نظرة الناس إلى المستعمل تغيّرت. وتقول إن الإقبال عليه كان موجودًا سابقًا أيضًا، لكن بعض المشترين كانوا يشعرون بالحرج من الإعلان عن رغبتهم في شراء قطعة مستعملة.

أمّا اليوم، فأصبح الزبون يأتي إلى المتجر ويفحص القطعة بنفسه، ويسأل عن حالتها ونوعيتها وسعرها.

وبحسب بو عقل، لم يعد المستهلك ينظر إلى كلمة “مستعمل” وحدها، بل يهتم بما سيحصل عليه مقابل السعر الذي سيدفعه.

وتلعب طريقة تقديم القطعة دورًا في ذلك. فالقطع تُفحص وتُعقّم وتوضع عليها بطاقة المتجر، ولا تُقبل القطع التي لا تسمح حالتها بعرضها بالشكل المطلوب.

وفي بعض الحالات تكون القطعة شبه جديدة؛ فهناك أشخاص يشترون بكميات كبيرة ثم يعرضون للبيع ملابس لم تُستخدم إلا مرة واحدة أو لا تزال تحمل بطاقة السعر الأصلية.

ما لا تحتاجه قد يحتاجه شخص آخر

في سوق المستعمل، ليس من السهل توقع ما سيُباع. تروي بو عقل أنّها عرضت مرة جهاز إنذار صغيرًا يوضع خلف الباب بسعر دولارين، ولم تكن تتوقع أن يلقى اهتمامًا كبيرًا، لكنه بيع في النهاية لشخص من طرابلس.

بالنسبة إليها، تختصر هذه القصة طبيعة السوق: ما يبدو بلا قيمة أو فائضًا عن الحاجة في منزل، قد يكون غرضًا يبحث عنه شخص آخر.

ولهذا لا يقتصر الطلب على الملابس، بل يشمل الأغراض المنزلية والديكور والإكسسوارات والقطع القديمة.

ليس الفقر وحده وراء الـSecond Hand

ربط شراء المستعمل بالضائقة المالية وحدها لا يعكس، بحسب بو عقل، طبيعة زبائن المتجر.

فبين المشترين أشخاص يتمتعون بقدرة شرائية جيدة ويشترون كميات كبيرة، وبعضهم يبدأ بقطعة واحدة ثم يعود مجددًا.

السعر عامل مهم، لكنه ليس السبب الوحيد. هناك من يبحث عن قطعة Vintage أو موديل قديم لم يعد متوافرًا في السوق، مثل قبعة من سبعينيات القرن الماضي.

في هذه الحالات، قد يكون المستعمل هو الخيار المتاح للعثور على قطعة معينة، وليس مجرد خيار أرخص.

سوقان يتعايشان

لا ترى بو عقل أن انتشار المستعمل يعني أن الناس توقفوا عن شراء المنتجات الجديدة. فهناك زبائن يشترون من السوقين في الوقت نفسه.

قد يدخل الزبون متجر المستعمل بحثًا عن قطعة محددة، وإذا لم يجدها يشتريها جديدة. وقد يختار قطعة جديدة مرتبطة بصيحة معينة، فيما يشتري قطعًا أخرى مستعملة.

بالنسبة إليها، السوقان يتعايشان، والاختيار بينهما يرتبط بحاجة المستهلك ونوعية القطعة والسعر.

وبذلك، لا يبدو الـSecond Hand بديلًا كاملًا عن التجارة التقليدية، بل خيارًا إضافيًا أصبح أمام المستهلك إلى جانب المتاجر التي تبيع المنتجات الجديدة.

من البيع إلى التبديل

ولا تتوقف الفكرة عند البيع. ففي Why Go Less بدأ بعض الزبائن باستخدام التبديل لتغيير ما لديهم.

إحدى الزبائن أرادت تغيير ديكور منزلها، فأحضرت أغراضًا لم تعد تريدها واستبدلتها بقطع أخرى. وأخرى أحضرت ملابس قديمة واستبدلتها بملابس مختلفة.

هنا تتحول القطعة التي لم تعد مناسبة لصاحبها إلى وسيلة للحصول على شيء آخر يحتاج إليه، من دون شراء كل شيء من جديد.

من التوفير إلى إطالة عمر القطعة

لا يرتبط انتشار سوق المستعمل بالأزمة الاقتصادية وحدها، بل يتقاطع أيضًا مع مفهوم الاقتصاد الدائري، الذي يشجع على إطالة عمر المنتجات وإعادة استخدامها وإصلاحها بدل التخلص منها واستبدالها سريعًا.

وتكتسب الفكرة أهمية خاصة في قطاع الأزياء، الذي يرتبط بارتفاع معدلات الإنتاج والاستهلاك والهدر. وتشير الوكالة الأوروبية للبيئة إلى أن إطالة عمر الملابس وزيادة إعادة استخدامها وإصلاحها وإعادة تدويرها يمكن أن تخفف الطلب على المواد الخام وتحد من بعض الضغوط البيئية المرتبطة بصناعة النسيج.

وتشير دراسة أكاديمية حديثة تناولت الأثر البيئي للملابس المستعملة إلى أن شراء قطعة مستعملة بدل قطعة جديدة يمكن، في سيناريوهات معينة، أن يخفض آثارًا بيئية مرتبطة بالمناخ والطاقة والمياه. لكن الباحثين يشددون في المقابل على أن النتيجة تعتمد على سلوك المستهلك وطريقة استخدام القطعة، أي أن شراء المستعمل لا يصبح تلقائيًا خيارًا أكثر استدامة في كل الحالات.

لذلك، لا تكمن الفكرة في أن الـSecond Hand يحل مشكلة صناعة الأزياء، بل في إطالة عمر المنتجات الموجودة أصلًا وإبقائها قيد الاستخدام لفترة أطول.

من الرف إلى الشاشة

إلى جانب المتاجر، تشكّل مجموعات فيسبوك وحسابات إنستغرام المتخصصة بالبيع والشراء واجهة موازية لسوق المستعمل في لبنان.

ينشر الأفراد صور أغراضهم مباشرة ويتفقون على السعر عبر الرسائل، من دون وسيط يحصل على نسبة من البيع. هذا النموذج يوفّر سهولة وسرعة، لكنه يترك مسؤولية التأكد من حالة الغرض والتفاوض والدفع على البائع والمشتري.

في المقابل، تمنح المتاجر المتخصصة المشتري وسيطًا يفحص القطعة ويحدد معايير قبولها ويعرضها بطريقة منظمة، مقابل الحصول على نسبة من قيمة البيع.

وهكذا، لا تتشكل سوق المستعمل في لبنان من نموذج واحد، بل من مجموعة قنوات تتراوح بين المتاجر الفعلية والمنصات الاجتماعية والبيع المباشر بين الأفراد.

“خلّيني استفيد منه”

تقول بو عقل إنّها ستستمر في مشروعها حتى لو تحسن الوضع الاقتصادي، لأنّ الفكرة بالنسبة إليها لم تعد مرتبطة بالأزمة فقط، بل بإعادة الاستخدام وإعطاء الأشياء فرصة ثانية.

وتكشف تجربة ميرا الجانب الآخر من الفكرة: الفستان الذي لم تعد بحاجة إليه لم يتحول إلى قطعة بلا قيمة، بل أصبح قادرًا على الانتقال إلى شخص آخر.

بين من يبيع لأنّه لم يعد يحتاج، ومن يشتري لأنّه يبحث عن سعر مناسب أو قطعة مميزة، ومن يبدّل لتغيير منزله أو خزانته، تتشكل علاقة مختلفة مع الأشياء.

فما كان يُعتبر سابقًا غرضًا انتهت فائدته بالنسبة إلى صاحبه، أصبح اليوم قابلًا للبيع أو التبديل أو إعادة الاستخدام.

وربما تختصر عبارة واحدة هذا التحول:

“ما بقى بدي ياه” لم تعد تعني “ارميه”.

 

إقرأ أيضاً: المشي وإبر التنحيف: لماذا اللبناني “مشغول” بصحته؟