ADAWLAADAWLAADAWLAADAWLA
  • الرئيسية
  • خاصّ – الدّولة
  • مَحلّي
  • عربي-دولي
  • آخِر خَبَر
  • Podcast
✕

“التبرؤ العائلي” أعلى مراحل الاستكبار

28.08.2025
Categories
  • آخِر خَبَر
  • خاصّ - الدّولة
Tags
  • التبرؤ العائلي
  • الحزب
  • جنوب لبنان
  • حزب الله
  • رب ثلاثين
  • لبنان
  • محمد بركات

درج في لبنان في الآونة الأخيرة إطلاق تهمة “الخيانة” على كل من يجرؤ على معارضة سلاح “المقاومة” أو يطالب بتسليمه إلى الدولة، كما نصّ قرار مجلس الوزراء الأخير. هذه الممارسة ليست جديدة تمامًا على الحياة السياسية اللبنانية، بل هي امتداد لخطاب لطالما استُخدم أداةً للتخويف والإقصاء، وأحيانًا تمهيدًا لممارسة العنف الجسدي. إنّها لغة تُصادر النقاش وتستبدله بحكم جاهز: مَن يعارضك هو “عميل” أو “خائن”، أي خارج الجماعة الوطنية، وتاليًا وجب عزله سياسيًا واجتماعيًا، أو “تحييده” باللغة العسكرية.

نزيه درويش

 

المكارثية نموذجًا

في خمسينيات القرن الماضي، شهدت الولايات المتحدة الأميركية موجة مشابهة عُرفت بالـ”ماكارثية”، عندما تحوّل مجرد الشك في ميول يسارية أو شيوعية إلى تهمة “خيانة” تهدّد حياة الأفراد ومهنهم. طالت تلك الحقبة كتّابًا وفنانين وأكاديميين من أبرزهم: تشارلي شابلن، آرثر ميلر، أورسون ويلز، دالتون ترمبو، ودوروثي باركر. خسر هؤلاء أعمالهم، وحوصروا اجتماعيًا، ونُبذوا من مؤسساتهم، وأحيانًا من عائلاتهم، فيما شُلّت الحياة الثقافية الأميركية تحت وطأة الرقابة الذاتية والخوف، ولكن أيضًا تحت وطأة “خيانة الأصدقاء” لبعضهم البعض وتفشي الريبة والوشاية طوعًا أو تحت الضغط.

وسرعان ما دفع المجتمع الأميركي الثمن: سمعة ملوّثة، حقوق منتهكة، وحياة سياسية مشلولة. ولكن بعد أفول الموجة، اتُّخذت خطوات لإعادة الاعتبار لضحايا هذه الموجة، وتعزيز الضمانات الدستورية وحقوق الأفراد. فحدّت المحاكم من صلاحيات لجان التحقيق والإتهام، وعاد النقاش إلى الدستور وحرية التعبير. في المحصلة، صارت المكارثية تُذكر اليوم في أميركا كفترة سوداء ينبغي عدم تكرارها.

التخوين في لبنان: أداة اغتيال

أما في لبنان، فإن للتخوين طعمًا مرّا أشدّ مضاضة، لأن معظم تهم الخيانة والعمالة التي نعنيها هنا لا تصدر عن قضاء ومحاكم ولا حتى عن أجهزة أمنية أو عسكرية رسمية، كتلك التي طبعت المانيا النازية أو أميركا الماكرثية (على اختلاف ممارسات الغيستابو طبعًا عن محاكمات ماكرثي). وإنما يصدرها أشخاص وأحزاب في وجه خصومهم، وأحيانًا في وجه مسؤولين حكوميين!

فمنذ الحرب الأهلية سنة 1975، أصبح التخوين سلاحًا لاغتيال الخصوم سياسيًا ومن ثم جسديًا أحيانًا. من المعارضين للإحتلال السوري سابقًا، إلى المعارضين لسلاح “حزب الله” اليوم، طال الاتهام سياسيين ورجال دين ومثقفين وإعلاميين وناشطين مدنيين. ومن أبرز ضحايا “كَمّ الأفواه” خلال الحرب، الصحافيان سليم اللوزي ورياض طه (1980). وحتى قبل اندلاع الحرب بتسع سنوات، شهد لبنان اغتيال الصحافي كامل مروة سنة 1966 على خلفية مواقفه من “الناصرية”.

مؤخرًا، وُجّهت تهم التخوين إلى البطريرك الماروني بشارة الراعي، وإلى رئيس الحكومة نواف سلام، كما طالت في السابق البطريرك الراحل نصرالله صفير وعددًا كبيرًا من الشخصيات المعارضة للخط السوري والإيراني. ويتجسّد المثال الأكثر مأساوية في اغتيال الكاتب والباحث “لقمان سليم” (2021) بعد سنوات من التهديدات المباشرة والنعوت التخوينية.

منذ اغتيال رئيس الوزراء رفيق الحريري عام 2005، شهد لبنان موجة تخوين واسعة واغتيالات جسدية لرجال فكر وإعلام ونواب وسياسيين. ولكن يبقى اغتيال الصحافيَين سمير قصير وجبران تويني أبرز مَن طالتهم الحملات التخوينية وجرى “تحييدهم”، إلى جانب الإعلامية مي شدياق، التي نجت بأعجوبة. ولم يقتصر الأمر على الأفراد. فأي صوت طالب بكشف الحقيقة أو كان يدعو لانسحاب القوات السورية، وُصِم بالعمالة. وفي أحداث 7 أيار 2008، بلغ الخطاب ذروته، إذ استُخدم التخوين ذريعةً لتبرير اللجوء إلى السلاح في الشارع في مواجهة خصوم سياسيين يريدون “النَيل من المقاومة”، لمجرّد محاولة الحكومة بسط سيطرة أجهزة الدولة على مطار بيروت.

لا تسوية مع خائن!

في بلد مثل لبنان، منقسم عموديًا وأفقياً، لا تُعدّ تهمة “الخيانة” مجرد رأي، بل تتحول فورًا إلى حكم شعبي خطير. فهي أشبه بخطاب التكفير في الدين: تُجرّد الضحية من حصانتها وتجعلها “مُباحة”. فلا يعود الخطر يقتصر على الأفراد المستهدَفين وعائلاتهم، بل يُسمّم الحياة السياسية بالكامل، إذ يفرض منطق “التشبيح السياسي” والاحتكام إلى الشارع، إذا لم يكن إلى السلاح، بديلًا من النقاش والحوار والديمقراطية.

وخطاب التخوين يخلق بيئة من الخوف الدائم، حيث يتردد المواطن المعارض، وأحيانًا كثيرة يُحجم، عن التعبير عن رأيه، خشية أن يُنعت بالخائن. في المقابل، يعزز الولاءات الضيقة على حساب الولاء للدولة توسّلا للحماية، لأن “الخائن” هنا ليس عدوًا خارجيًا، وإنما جارٌ أو زميلٌ في الوطن والطائفة والحي. وهكذا، بدل أن يكون النقاش السياسي منافسةً بين رؤى وبرامج، يتحوّل إلى معركة إلغاء، ما يقضي على أيإمكانية لتسوية وطنية أو عقد اجتماعي جديد. فأي تسوية وأي عقد يمكن أن تعقده مع “خائن”؟!

الحاجة إلى قوانين رادعة

من هنا، تستدعي خطورة هذا الخطاب نقلة نوعية في التعامل معه. لماذا لا تُدرج اتهامات التخوين العشوائية في خانة جرائم القدح والذم والتحقير، بل أيضًا في خانة التحريض على القتل؟ فالتخوين، حين يُطلق جُزافًا من دون أي سند، لن يبقَ مجرّد إساءة كلامية، بل يصبح تهديدًا صريحًا للأمن الفردي والسلم الأهلي. وتصبح تشديد العقوبات وردع مطلقي هذه التهم ضرورة ملحّة، خصوصًا أن تجارب مثل المكارثية الأميركية أثبتت أن الإفلات من المحاسبة يقود إلى كوارث اجتماعية وسياسية.

قد يعترض البعض بأن هذه القوانين قد تحدّ من حرية التعبير. لكن الفارق واضح: حرية الرأي مكفولة حين تعبّر عن موقف سياسي أو تطرح نقدًا، أما “التخوين” فهو ليس رأيًا أو وجهة نظر، بل اتهام جنائي خطير يُطلق من دون أي سند قانوني أو قضائي، وغالبًا ما يترافق مع دعوات صريحة أو ضمنية إلى العنف. إنه سلاح سياسي فتّاك يُغتال به المعارضون وتُخنق به الحياة الديمقراطية. من هنا، ففي مجتمعات مثل لبنان، مثقلة بالانقسامات والهشاشة، فإن إدخاله ضمن خانة الجرائم الموجبة للعقاب لا يحمي فقط الأفراد والرأي المختلف، بل يحمي الديمقراطية نفسها.

أعلى مراحل الإستكبار

في آب/أغسطس 2025، تعرض الصحافي محمد بركات، مدير تحرير موقع “أساس ميديا”، لحملة تحريضية منظّمة من قبل قيادة “حزب الله”، استهدفته وعائلته بشكل مباشر. نشر شقيقه بهاء بيانًا عبر منصة “إكس” (تويتر سابقًا) أكد فيه تعرضهم لمضايقات في “الضاحية الجنوبية” لبيروت، بسبب مواقف شقيقه محمد المعارضة لسياسات الحزب. أشار البيان إلى أن التحريض وصل إلى التهجم على النساء والأطفال، مما دفع بركات إلى توجيه نداء إلى رئيس الجمهورية والأجهزة الأمنية، مطالبًا بحمايته وعائلته من هذه الهجمات.

وآخر فصول “الاستكبار” التي يمارسها الحزب في بيئته تحديدًا، على معارضيه العُزّل، هو إستصدار بيانات بإسم عائلة الصحافي بركات، في بلدته “رب ثلاثين”، تتبرأ منه وترفض “ربط إسمه بإسم عائلتنا الكريمة”، عقابًا له على مواقفه وكتاباته “الخارجة عن الإجماع الأخلاقي والمجتمعي الذي نلتزم به” (..) وكأنه مجرمٌ سفّاح أو مرتكبٌ لموبقات أخلاقية أو لصّ خطير وجبَ نبذه ورفع غطاء العائلة والمنطقة عنه تمهيدًا “لتسليمه” إلى حبل الإعدام.

إن استخدام هذه الوسيلة الشنيعة، “التبرؤ العائلي”، يتجاوز الضغوط والتهديدات المباشرة، إذ يطال النسيج الاجتماعي للضحية. يسعى الحزب من ورائها إلى خلق حالة من العزلة والضغط النفسي الشديد على مَن تسوّل له نفسه الخروج عن “الجماعة”. يمتد هذا الأسلوب ليشمل هذه المرة بيت الضحية، في مُنازلة وقحة وغير شريفة، يحاول عبرها كسر عزمه وعزيمته، والاستفراد به، وجرّه إلى “بيت الطاعة”. أسلوبٌ نجح مع البعض وفشل مع آخرين.. ولكن محمد بركات من هؤلاء الآخرين.

Share

مواضيع مشابهة

31.08.2025

فتنة إعلام الحزب… ضدّ إرث السيّد فضل الله


Read more
30.08.2025

أورتاغوس وباراك في “غابة” الممانعة : Animalistic


Read more
28.08.2025

خلاف بين رجّي وسلام ألغى زيارة الوفد السوري


Read more
‎© 2025 الدولة | جميع الحقوق محفوظة | مدعوم بحرية التعبير