زياد الرحباني: تمرّد على “جبال الصوّان”… وأطاع الملالي

رحل زياد الرحباني، ابن السيدة فيروز، ورفيق الوجدان اللبناني لعقودٍ، بعدما ترك خلفه مسيرةً لا تشبه سواه، لا موسيقياً ولا سياسياً ولا إنسانياً. مات الذي لطالما بدا حيّاً أكثر من اللازم. حيّاً ببديهته، بتمرّده، بجنونه الجميل، وبكآبته التي كانت أيضاً مرآتنا جميعاً.
وُلد زياد في بيتٍ من “جبال الصوّان”، فيروز والأخوين رحباني. لكنّه لم يحتمل العيش طويلاً في هذا المعبد. تمرّد على العائلة أولاً، ثم على صورة لبنان المغنّى، الشاعر، النظيف. رفض “الكذبة اللبنانية” باكراً. رأى الفيلم الأميركي الطويل، كما وصفه، وفهم أن هذا البلد لا يسير إلا على دموع الضحايا ومال الأغنياء وذكاء النصّابين.
لذا، اعترض.
اعترض بالفنّ، بالمسرح، بالكلمة، بالنوتة الموسيقية، بالضحكة الساخرة والشتيمة المدروسة. كتب ما لم يُكتب، وفضح ما لم يُفضَح، وأضحكنا حتى البكاء، وبكّانا حتى الضحك.
العجز عن القراءة السياسية
لكنّه، في خضمّ اعتراضه الدائم، عجز عن رؤية الخطر الحقيقي الذي زحف على لبنان منذ التسعينات وما بعدها. لم يرَ المشروع الإيراني في المنطقة إلّا كمقاومة، ولم يشكّك مرّةً في أدواته ومراميه. آمن بأنّ مجموعة مذهبيين، يحملون السلاح والعقيدة، يمكن أن يكونوا رافعةً للنهضة. لم يسعفه حدسه هذه المرّة، ولا ذكاؤه، ولا حسّه الساخر. فخانته السياسة كما خانه رفاقٌ سابقون في اليسار، أداروا ظهورهم للقيم، وركبوا موجة الاصطفاف المذهبي بذريعة “الممانعة”.
قال “لا” لكل شيء، إلا لمبايعة نظام الملالي. فكتب في جرائدهم وظهر على شاشاتهم وشتم خصومهم. ووافق على سلوك بشار الأسد مع الثورة السورية وأحبّ نظام العمائم، رغم اختلافه الديني وخلافه الأيديولوجي معهم.
وهنا، تكمن المأساة.
فـزياد الذي علّم جيلاً بأكمله كيف يُفكّر، كيف يعترض، كيف يشتم “الدولة” و”الرئيس” و”المصرف المركزي” و”حزب الكتائب” و”مخفر الدرك”، لم يشأ يوماً أن يقترب من نقد المشروع الذي اغتال كلّ ما تبقّى من هذا البلد. دافع عنه، صدّقه، وتماهى معه أحياناً.
حالة فريدة وعملة نادرة
ومع ذلك، يبقى زياد حالة لا تتكرّر. عبقريّة فذّة في الموسيقى، سخرية لا ترحم، ثقافة عميقة غير مملّة، وجرأةٌ في زمنٍ خائف. سكن وجدان اللبنانيين، وخصوصاً أبناء المدينة الذين وجدوا فيه لسان حالهم، وصورتهم حين تُقصّ شَعرها وتدخّن وتغنّي خارج اللحن.
علّمنا أن الفنّ يمكن أن يكون اعتراضاً، وأن النكتة موقف، وأن الجملة المسرحية يمكن أن تشرح اقتصاد بلد بأكمله. لكنه علّمنا أيضاً درساً مؤلماً: أن الذكاء وحده لا يكفي… وأن “التموضع السياسي” قد يكون القبر الذي يُطمر فيه المبدع حيّاً.
يقول المصريون: “الحلو ما يكملش”.
وزياد، فعلاً، لم يكتمل. لكنه أيضاً لم يُشبه أحداً.