بلاد ما بين الوهمين

في لبنان، نعيش معاً في وطنٍ واحدٍ بوجهين متناقضين: مهزومٌ يحلم بدولةٍ لا تأتي، ومنتصرٌ يحتفل على الركام، وكلٌّ يظن أنّه على حق.
بين وهم الدولة ووهم الانتصار، يتمزّق لبنان إلى شعبين متداخلين لا يلتقيان إلا في الأزمات. شعبٌ مهزومٌ يتمسّك بما تبقّى من فكرة الدولة، يصدّق أنّ القانون سيحميه يوماً، وأنّ العدالة ستعود إلى قصرها المنهوب. وشعبٌ آخر يحتفل على أنقاض العاصمة، يرفع رايات الانتصار فوق الركام، ويجد كرامته في السلاح والتهريب والسطوة على مؤسساتٍ صارت مجرّد واجهاتٍ للفساد.
الخصومة تحت ستار “الشراكة“
لسنواتٍ طويلةٍ، حاول كثيرون أن يجمّلوا هذا الانقسام بمفرداتٍ لطيفة: “شركاؤنا في الوطن” أو “خصومنا في السياسة”. لكنّ تلك اللغة الوديعة فقدت معناها أمام وقائعٍ صارخة. إذ كيف يكون الشريك من يهدم فكرة الدولة ليقيم مكانها دويلة؟ وكيف يكون الخصم من يرى في القانون عدوّاً وفي العدالة تهديداً؟
لقد تحوّل الحلم بوطنٍ واحد إلى معركةٍ بين وهمين: وهم الدولة التي تنهشها العصبيات، ووهم الانتصار الذي يلتهم كلّ ما تبقّى من عيشٍ مشترك. المنتصر يعيش نشوةً مستمرة لا تنتهي، يوزّع شهادات الوطنية ويصادر الحقيقة. والمهزوم ينتظر، في طوابير الكهرباء والمازوت، خلاصاً يشبه المعجزة.
نعيش تحت “مولّد” واحد
لكن المفارقة المؤلمة أنّ الجميع يلتقون تحت مولّدٍ واحد، ويدفعون الفاتورة نفسها، ويشتمون بعضهم على الشاشات نفسها. كأنّ القدر يسخر منّا، فيجمعنا بالعجز نفسه، ويذكّرنا بأنّنا مهما تفرّقنا، نُهزم معاً ونُهاجر معاً.
هكذا نحافظ على “وحدتنا الوطنية”: بالسباب المتبادل، وبالتقنين الذي يساوي بين الجميع في الظلمة. تلك هي بلاد ما بين الوهمين، حيث يعيش المنتصر في كذبة النصر، والمهزوم في حلم الدولة، والوطن في منطقةٍ رماديةٍ لا تعرف الفجر.




