خطّ نوح زعيتر الفاصل بين دولةٍ تولد… ودولةٍ تتلاشى

اعتقال نوح ليس حدثاً أمنياً عابراً، بل اختبارٌ مباشر لجدّية الدولة في استعادة سيادتها على مناطق كانت رهينة الخوف والجرائم والسلطات الموازية.
استقلال متأخّر عن “احتلال نوح”
يوم الخميس 20 تشرين الثاني 2025 بدا كأنّه يوم استقلال جديد للبنان، بعد سنوات من معركة باردة طويلة، ضغوط متتالية، واشتباكات متقطّعة انتهت بهجومٍ بري وجوي أسقط ضحايا من الطرفين، قبل أن يُعلَن الخبر: نوح في قبضة الجيش.
الهيبة الزائفة وصناعة الولاءات
كنت أتذكّر حديثاً دار بيني وبين إحدى المقيمات في “منطقة نوح”. كانت ترى فيه رجلاً شهمًا، كريمًا، “بيفكّ مشانق”، يحمي الناس ويحلّ مشاكلهم ويدعم “المقاومة”.
لكن هذه الصورة كانت الغطاء الأعمق لسلطةٍ بُنيت على الخوف والحاجة. جزء كبير من هؤلاء “الأنصار” تحوّلوا بفعل الفقر والترهيب إلى مطاريد مطلوبين للعدالة، وقوداً لآلةٍ تُحرس بولاء كامل وجيشٍ أهليّ يحمي مملكته.
المأساة: ثقة مكسورة وعدالة مشوّهة
الأكثر إيلاماً اليوم هو ما يتداوله الناس ببرودة تشبه اليأس: “نوح رح يطلع… ورح يرجع أقوى”.
هذا ليس توقّعاً بقدر ما هو اعترافٌ بوجعٍ قديم: العدالة في لبنان مشوّهة إلى درجة تجعل الناس يُصدّقون الاستثناء قبل القانون، والصفقات قبل الأحكام، والسطوة قبل الدولة.
امتحان الدولة لا امتحان شخص
هذه المرّة القضية أكبر بكثير من توقيف تاجر مخدرات. إنّها مواجهة مباشرة مع نموذجٍ كامل لسلطة موازية ترسّخت لعقود. سؤال اللحظة ليس: هل سيسقط نوح؟ بل:
هل تسقط منظومة نوح؟
هل نحن على طريق العبور نحو دولةٍ تستعيد سيادتها وأمنها؟
أم أننا نعيش فصلاً جديداً من فصول الهريان والغطس في مستنقع الفوضى؟
الخطّ الفاصل لقيام الدّولة
المعركة الحقيقية تبدأ الآن.
نوح اليوم خطّ فاصل.
إمّا أن يكون سقوطه كمفهوم، لا كشخص، بدايةً لقيام دولةٍ تعيد بناء القانون والثقة،
وإمّا أن يكون خروجه – إن حصل – إعلاناً عن استمرار العتمة… واستمرار السقوط.




