فنزويلا: من ذهب المدن إلى صدأ الأنظمة

كانت فنزويلا يومًا ما بلدًا يعيش ذروته الذهبية. دولة نفطية مزدهرة تقدّم نفسها للعالم كحلم مفتوح على البحر والحرية والرخاء.
لكن الذهب تحوّل مع الزمن إلى صدأ، وسقطت الدولة في قبضة أنظمة لا تؤمن بالحياة ولا بالمواطنة ولا بالإنسان.
المدن التي كانت حلمًا
كانت فنزويلا أكثر من دولة نفطية. كانت حلمًا. مدنها تشبه بطاقات بريدية. شواطئها مفتوحة على العالم. ناسها يعيشون في استقرار.
في العصر الذهبي، كانت كراكاس تنافس أجمل مدن أميركا اللاتينية، وتستقطب السياحة والرساميل والأحلام القادمة من الخارج.
عصر الأنظمة التي تكره الحياة
ثم جاء زمن الأنظمة التي تكره الحياة. تحوّل النفط من نعمة إلى لعنة، والدولة من مساحة عامة إلى مزرعة حزبية، والسلطة من إدارة إلى عصابة.
شعب جائع، غاضب، ومحاصر. وسلطة فاسدة لا تنتج إلّا القمع والسوق السوداء وتجارة كل ما يدمّر الإنسان.
اقتصاد الظل والتحالفات المظلمة
مخدّرات، شبكات تهريب، وتحالفات مظلمة لا تعرف حدودًا ولا أخلاقًا.
لم تسقط فنزويلا وحدها، بل سقطت معها فكرة السيادة. تغلغل “المحور” في جسد الدولة كما يتغلغل السرطان: لا يعلن نفسه، بل يتسلّل عبر الميليشيات والاقتصاد الموازي والخطاب “المقاوم” الذي لا يقاوم إلّا شعوبه.
دولة بلا معنى وشعب وقود للصراعات
تحوّلت الدولة إلى كيان فارغ من معناها، وصار الشعب وقودًا للصراعات.
وعندما خرجت المعارضة الفنزويلية، لم تكن مثالية في أدائها، لكنها عبّرت، بطريقة ما، عن مجتمع منهك.
فرح ليس حبًا بالبديل… بل كرهًا للاستمرار
الفرح الشعبي الذي انفجر مع أخبار سقوط رأس السلطة، أو ملاحقته، أو القبض عليه، لم يكن فرحًا ببديل أفضل، بقدر ما كان رفضًا للاستمرار في الجحيم نفسه.
السؤال الذي يخصّ منطقتنا
هذا الحدث، مهما كان مساره النهائي، لا يخصّ فنزويلا وحدها. بل هو رسالة إلى الأنظمة المشابهة في منطقتنا:
هل علينا أن نشكر أميركا حين يتداعى نظام فاسد؟
أم نسأل أنفسنا لماذا ننتظر الخارج أصلًا؟
الخارج قد يسقط نظامًا… لكنه لا يبني وطنًا
الحقيقة التي لا يريد كثيرون سماعها هي أنّ إنقاذ الدولة لا يأتي فقط من الجو، وأن إنصاف الشعوب المقهورة لا يتحقق بالعقوبات وحدها.
الخارج قد يُسقط نظامًا، لكنه لا يبني وطنًا.
متى نتوقف عن تقديس الزعماء؟
على شعوبنا أن تعي أنّ الإصلاح يبدأ حين نتوقف عن تقديس الزعماء، وأن تفهم أنّ “محور الممانعة” ليس قدرًا، وأن الفقر والموت ليسا بطولة، وأن الخراب لا يصبح أقلّ قبحًا لمجرّد أنّه مبرّر بخطاب سياسي.
فنزويلا مرآة… وليست بعيدة
فنزويلا ليست بعيدة. هي مرآة لما أنتجته مرحلة من حكم محورٍ مجرم.
من لم يُصلح بيته اليوم، سيصفّق غدًا لسقوط بيت غيره… منتظرًا أن يحين دوره.




